في المغرب، الملك يفوض بعض سلطاته ولا يفوتها، وهذا يلائم شعبا قبليا تهدده أي نعرة بالتصادم، وقد قدمت الانتخابات الأخيرة مشاهد قوية لولاء الناخب لقبيلته، لمن يسميهم "وينخ"، حتى أن جل جهات ومناطق المغرب تحمل أسماء أولياء أو قبائل... وهذا الخطر هو الذي يفسر حاجة القبائل إلى شريف أو مرابط أو ولي لا ينتمي لأي منها ليتوسط ويكون الحكم و"دار الضمانة" للاتفاقيات، أو لثاظا أو طاطا، أي علاقات سلم سلبية، تحمي من الحرب ولا تقود للتعاون.
مقترح الحكم الذاتي الموسع يتطلب أن يفوت الملك صلاحياته ويتحمل نزاعا في حالة استخدامها بشكل خطر. (انظر عرضا لوزن الصحراء في تاريخ المغرب )ها هي الصحراء فرض تغيير الدستور والقبول بحل قد يعرض الوحدة الترابية المغربية للخطر، حل الحكم الذاتي، وهو يتطلب تجاوز الخيارات السابقة للدخول في خيار استراتيجي جديد، لتساهم الصحراء في دمقرطة البلد، دون مزالق.
لنستعرض الخيارات المطروحة:
الخيار المثالي: تمجيد الوحدة مهما كان الثمن
هذا هو الخيار الرومانسي، يبقي المغرب موحدا، ترابه وبشره، الصحراء مغربية حتي لو غادر المينورسو وحاصرتنا الأمم المتحدة وتعرضنا للعزلة، المهم أن نتوحد، يمكن أن يكون إبراهيم حكيم وزيرا أولا، يكون عبد العزيز المراكشي واليا في العيون وحفيد عبد الكريم الخطابي واليا في الحسيمة، حينها ينتهي المغرب من مشكل الجنوب ليتفرغ لاسترجاع أراضيه في الشمال، نحرر سبتة ومليلية والجزر الجعفرية وتعود جزيرة إلي ليلي إلي حضن الوطن، هذا هو الهدف الطبيعي الذي تعمل من أجله كل الدول، فهذه كندا تحافظ علي وحدتها، هذه إسبانيا ترفض استقلال الباسك، تلك الصين تضم ماكاو وهونغ كونغ وتقاتل لضم تايوان بعد ان تتوقف الولايات المتحدة عن استخدامها كأداة في حربها الإستراتيجية ضد الصين الشعبية... ثم ان تركيا تضم ملايين الأكراد ولا تعدهم الأمم المتحدة لا باستفتاء ولا باستقلال، فلماذا لا يبقي المغرب موحدا إلي الأبد؟
هذا الحلم ليس قريبا، أولا لأن اليساريين المتشددين طالبوا بحق تقرير المصير في الصحراء واعتقلوا وقضوا سنوات في السجون ثم نفي شيخهم إلي فرنسا بعد اكتشاف أنه برازيلي. ثانيا لأن مشكل الصحراء لن ينتهي غدا، وبالتالي فلتنعم إسبانيا بسبتة ومليلية..
ما أقسي السياسة لأنها تخضع الأحلام النبيلة لاختبارات صعبة.
خيار الأمر الواقع : التمديد للمينورسو إلي ما لا نهاية
يتم التمديد للمينورسو منذ سبعة عشر عاما، ما الذي يمنع أن يستمر هذا الوضع لخمسين سنة قادمة؟
ولهذا الوضع أرباح، أقلها تجنب المغامرات التي قد تقود إلي المجهول، أولا قد يفشل خلق دويلة مجهرية بدعم خارجي، ثانيا يجب تجنب هدم استقرار المغرب العربي، وقد بينت تجربة دعم أستراليا لخلق دويلة في تيمور الشرقية صعوبة الاستمرارية، فالقوات الأسترالية عالقة في تيمور لتحافظ علي استقرارها، ثالثا إذا وصل قادة قبائل البوليساريو إلى العيون واختلفوا أو اقتتلوا، هل سيتدخل الجيش المغربي أو ستطلب قيادة البوليساريو تدخل الجيش الجزائري في الصحراء لتسوية الخلافات؟ رابعا قد يؤدي أي انفلات في الصحراء إلي عدم استقرار داخل المغرب...
لتجنب هذه المخاطر الجارفة، فالخيار الأقل كلفة هو استمرار الوضع القائم مدعوما بحجج من كل حدب وصوب، ففي الصحراء قبائل، والملكية أحسن نظام لحكم مجتمع قبلي، ليس لدي الصحراويين إجماع علي الوحدة أو الانفصال، والمثال الحي هو زعيم البوليساريو ووالده، فالأب وحدوي والابن انفصالي، ثم إن الجزائر تعرقل مصالحة الصحراويين، والمشكل مغربي صرف إذن، سيفل الزمن عزيمة الانفصاليين، علاقة المغرب بفرنسا والولايات المتحدة تحميه من سخط المنتظم الأممي، يمكن توقع تحسن دور اليهود المغاربة في الشتات لدعم وضع المغرب الدولي، بوتفليقة مريض وسيتعب، الإرهاب ينبعث في الجزائر وسيعرقل ذلك تأثيرها الدولي... ليستمر الوضع هكذا فقد يلعب الزمن لصالحنا، لنربح الوقت بمبادرات هنا وهناك لتنفيس الأجواء، ليبق الجميع في غرفة الانتظار، فهي أقل خطرا من دخول قاعة العمليات... سيقال في هذا الوضع: المغرب في صحرائه وأرضه ويتفاوض عن/مع المستقبل، وقد كان بإمكان هذا الوضع أن يستمر، لكن تغيرا استراتيجيا حصل، لقد اخترقت وسائل الاتصال الجدار العازل، قفزت الثورة التكنولوجية بمحرضي البوليساريو من تندوف وأنزلتهم في العيون، الهاتف النقال والإنترنت لا تعترف بالحزام الأمني، فما جدوى إغلاق الحدود؟ مضي الزمن الذي تسهل فيه مراقبة المكالمات الهاتفية من وإلى العيون.
لكل زمن متطلباته، يجب مراجعة هذا الخيار السعيد، والكتابة على الورق أسهل وأمتع من التعامل مع الوقائع على الأرض.
الخيار الثالث : الحلم الديمقراطي/ الكطلاني
هذا خيار يحلم به الحقوقيون، ففي يوم 30 ـ 3 ـ 2006، صادق البرلمان الإسباني علي تعديل وضع كطلانيا. وسع المشروع استقلالية المنطقة ومكنها من 50% من مواردها الضريبية بدل 35% سابقا. مر المشروع رغم معارضة النواب الكطلانيين بدعوي أن الاقتراح خجول، ومعارضة الحزب الشعبي لأن المشروع جريء يشير لكطلانيا كأمة nation ويزيد من مواردها... نجح المشروع قانونيا، لم تظهر لا دبابات ولا مسدسات في الشوارع ... هذا نموذج ديمقراطي راسخ من العالم الأول. قال العربي المساري على المغرب انتظار إقامة ديمقراطية في الجزائر لحل قضية الصحراء ، هذه أمنية مدهشة تقفز علي عوائق النسق السياسي المغربي، فهذا عباس الفاسي يُنظّر للحكم الذاتي ويتحدث عن تفويض بعض الصلاحيات المهمة، عباس لا ينطق عن الهوي، إنه نموذج ممتاز للمنطق المغربي، لذا يستفز الذين يرون فيه صورتهم، وهو يدرك أن المغرب ليس بلدا ديمقراطيا، ويؤمن أن الملك يفوض صلاحياته ولم يفوت قط سلطاته، التفويض يضمن إقالة المسؤول واسترجاع الصلاحيات، أما تفويت سلطات نهائيا فهذه مسألة فيها نظر، والغالب أنها خطر. فأين هذا من الخيار الكطالاني؟
اختبار الخيار الكطالاني علي أرض المغرب سيجعله كارثة، سيزيح الغبار عن الوجه البشع للمناضليين القبليين وهم كثر، لذا يجب تأجيل هذا الخيار إلي أن تتحقق الأمنية الأساسية وهي أن علي المغرب إقامة ديمقراطية حقيقية ليجد حلا لمشكل الصحراء.
الخيار الأبخازي: العصا والجزرة
أبخازيا منطقة جورجية تتمتع بحكم ذاتي، ولكنها تحت تأثير روسي شديد، أبخازيا خنجر في خصر جورجيا. في كل انتخابات أبخازية يتحدثون عن مرشح تبيليسي ومرشح موسكو. أسقط الشعب شيفاردنادزه ووصل ساكاشفيلي إلي السلطة في جورجيا، فقامت أبخازيا بمحاولة انفصال لعرقلة حكم ساكاشفيلي، أو علي الأقل لتخويفه فيبقي في حديقة فلاديمير بوتين. لم يخف فدخل الجيش الروسي ليشرح لساكاشفيلي بالبصم.
غير بعيد عن جورجيا، في أوكرانيا انتصرت الثورة البرتقالية ففقد فكتور يانكوفيتش الموالي لروسيا منصبه كرئيس للوزراء أواخر عام 2004. كمُن سنتين ورجع وفاز في انتخابات آذار (مارس 2006) لم يختف حزب يانكوفيتش صمام أمان روسيا كي لا تنزلق أوكرانيا كاملة في يد الغرب، خاصة وأن الإتحاد الأوروبي بات علي مشارف موسكو. أساليب الكرملين موجعة/ناجعة. ثلثا الأبخاز يحملون الجنسية الروسية، توجد قوات روسية لحفظ السلام في أقاليم جورجية ذات استقلال ذاتي كما في أوسيتيا الجنوبية، والأخطر هو صنبور الغاز الذي يغلقه بوتين فور سماعه لأية شوشرة.
في الحالة المغربية، إذا تم تنفيذ الحكم الذاتي في الصحراء، فلن تكون الجزائر بعيدة عن العيون، لقد صرح الإبراهيمي، رئيس الوزراء الجزائري الأسبق أن الجزائر صرفت ملايير الدولارات لمضايقة المغرب في الصحراء، طبعا لم يكن هذا صدقة، لذا فإن الجزائر ستطالب بثمن دعمها للبوليساريو لأكثر من ثلاثين سنة. ما هو الثمن؟ الهيمنة، لتكون الجزائر زعيمة المنطقة.
أمام هذه التوقعات المقلقة، ما العمل؟
1 ـ يجب على المجلس الاستشاري للصحراء أن يتحمل مسؤولية التفاوض حول مشروع الحكم الذاتي. ليس مطلوبا ان يكون وزير الداخلية في الواجهة، ليشتغل ومن خلفه في الظل. يجب أن يجمع المشروع بين اقتراحات جريئة ليقبل واحتياطات سياسية علي الأرض لمنع الانزلاق. يجب أن يكون التعديل الدستوري دقيقا ويجب أن يكون قبول البوليساريو بصيغة الحكم الذاتي دوليا ملزما، يجب أن يشار للأشياء بأسمائها: هل ستكون العيون جمهورية داخل مملكة؟ ماذا ستكون صفة عبد العزيز المراكشي في العيون؟ هل/متى ستكون هناك انتخابات بينه وبين خليهن ولد الرشيد؟
2 ـ في انتظار بدء التنفيذ يجب أن يشتغل المجلس كحكومة ظل في الصحراء، يكون جاهزا، يطلع علي الملفات حتى لو اقتتل أعضاؤه لأن تلك هي حقيقتهم، يشخص مراكز القوي، يحاور قيادة البوليساريو، يجعل العائدين من تندوف في الواجهة لخلخلة وإرباك الانفصاليين، يقترح لقاء عبد العزيز بوتفليقة، يطلب زيارة تندوف للالتقاء بالصحراويين... هكذا يطرح خليهن ولد الرشيد وفريقه سيلا من المبادرات لتشكيل أرضية البداية، لخلق أجواء معينة، يجب علي المجلس الاستشاري أن يتصرف بمنهج هجومي لا يتوقف علي ردود قيادة البوليساريو فقط، بل يجب تجاوز الانتظارية، وفي هذا الإطار اقترح السيد برزاني العضو السابق في المكتب السياسي للبوليساريو حكما ذاتيا بسرعتين:
الأول: إن قبلت البوليساريو يتعاون معها المغرب.
الثاني: إن رفضت ينفذ المغرب اقتراحه ويحاول استقطاب المساندين من تندوف. ستكون الأمم المتحدة والمجتمع الدولي في صف من يسير إلي الأمام وليس في صف من يعرقلون المسيرة بأصوات لا يدعمها توازن القوي في المنطقة.
ماذا لو عين الملك مصطفى بوه برزاني سفيرا للمغرب في الجزائر؟
3ـ ينتظر أن تكون خمس سنوات الأولي من الحكم الذاتي صعبة. لماذا؟ سيعتبر الانفصاليون قبول الحكم الذاتي تراجعا من المغرب ومحطة في الطريق نحو الهدف، سيستغلون الحدث كانتصار وسيحاولون مراكمة مكتسباتهم، سيطالبون أو سيوسعون صلاحياتهم باستمرار، وقد يعلنون استقلال الصحراء من جانب واحد. سيكون هامش الرد المغربي ضيقا، ستكون الأنظار موجهة للرباط لاختبار تعاملها مع الملف. سيصعب القيام بعمل عسكري، لذا يجب توقع الخطر، يجب صياغة قواعد اللعبة منذ البداية، لأن الأسوأ هو محاولة تغيير القواعد أثناء الممارسة.
4 ـ لذا يجب الاحتياط مسبقا لذلك اليوم الذي سنصل فيه إلي الخيار الأبخازي، يوم تعرف العيون مرشح الرباط ومرشح الجزائر. ستبدو هذه الاحتياطات قاسية، لكن ميكيافيلي يوافق الإمام علي بن أبي طالب علي قاعدة واحدة علي الأقل: من الحزم سوء النية . (انظر كتاب الأمير وخطب نهج البلاغة).
مع فارق صغير لكنه حاسم، علي لم يتوقع خطر معاوية، أما الإيطالي فيقول إذا توقعنا الخطر مسبقا سهل علينا معالجته. هذا درس أساسي، لذا يجب تحليل الخيار الأبخازي بعمق، فهناك الكثير من التشابهات بي نظام الحكم الممركز في روسيا والمغرب (راجع ليليا شيفتسوفا "روسيا بوتين" مؤسسة كارنيجي نشر دار العلوم 2006).
5 ـ يجب تشكيل تحالف سياسي في العيون، مقرب من المغرب، يتشكل من نخبة اقتصادية قوية ومن أشخاص تثق الرباط في ولائهم، إضافة إلي شرائح من سكان الشمال الذين هاجروا إلي الصحراء خلال العقود الماضية ليستقروا هناك، وأخيرا تنشيط تأثير قبائل آيت باعمران وطانطان علي بطونها وفخاذها في الصحراء... يجب علي الأعيان الموالين في العيون ألا يكتفوا بنفوذهم، يجب أن يدخلوا دماء جديدة في صفوفهم، يجب ألا يتجاهلوا ثقل شباب متعلم فقير ولكن لديه نبر احتجاج عالي... مهمة هذه التشكيلة السكانية هي توفير لوبي وازن يكون صمام أمان ويحافظ علي سقف معقول للحكم الذاتي أمام الانفصاليين، لأنه إذا وصل رجال البوليساريو إلي العيون وشكلوا حكومة محلية، لن يتلاشي حلمهم بالانفصال، سيتابعون النضال من أجله بوسائل أخري، وأمام هذا الخطر، يجب أن يعمل المغرب علي تشكيل قوة سياسية محلية توازن مطلب الانفصال في السنوات الخمس الأولي، والتي ستكون حرجة، قبل أن تستقر الأمور. حزب موال للمغرب، هذا ما نحتاجه لمجابهة أية تمردات انفصالية.
عقبات هذا الخيار: سيكون التشرذم الحزبي الحالي خطرا شديدا علي الخط الوحدوي في المستقبل. صحيح أن الدولة احتاطت وأصدرت قانونا للأحزاب يمنع إنشاء أحزاب جهوية، هذا جيد لكن قد يتحول إلي عائق، كيف يمكن لحزب وطني أن يحكم في العيون؟
هل سيلتحق عبد العزيز المراكشي وأتباعه بحزب النهج الديمقراطي؟ وحين سيتعودون على السلطة ستلائمهم الحركة الشعبية.
6ـ يجب أن تدار العلاقة بين الرباط وقادة البوليساريو العائدين من طرف سياسي محنك، لا ينبغي ترك الملف بيد تكنوقراطي، يجب مراعاة الخبرة السياسية التي راكمها قادة البوليساريو لسنوات طويلة من التعبئة العالمية المضادة للمغرب. يجب تكليف سياسي يستخدم استراتيجيات مختلفة حسب الملفات:
إقناع؟ إجبار؟ تهاون؟ تعاون سلبي؟ تعاون إيجابي؟
لكل مسألة إستراتيجية خاصة تلائم أهميتها.
7ـ علي الصعيد الداخلي، ســتكون الحكومة المحلية في العيون مشكلة بديمقراطية ذات نخوة قبلية، في هذا الوضع فائدة وخطورة، الفائدة هي وجود انقسام قبلي دائم، الخطر هو أن يخــرج الانقسـام القبلي عــن الســيطرة، لذا لا بد مـن توازن حــذق بين الفائدة والخــطورة. رواندا و1999 قريبة منا.
8ـ علي الصعيد الخارجي، يجب دق إسفين بين الجزائر وقيادة البوليساريو، ويمكن أن يكون البدء بترسيم الحدود بين المغرب والجزائر خطوة خلاقة، سيكون عبد العزيز المراكشي ملزما بتحديد موقع قدميه بوضوح.
الأمنية هي أن تسير الأمور بشكل جيد ويتعايش المغرب مع ثلاث عبد العزيزات دفعة واحدة، والأمل أن تقدر قيادة الحكم الذاتي المسؤولية الملقاة علي عاتقها، لكن إن حصلت انزلاقات، يجب أن تكون لدي حكومة الرباط أوراق تتدبر بها الأوضاع المفاجئة...
وهذا ما يستوجب تدقيق الاحتياطات، وفحص الطريق التي نسير فيها باستمرار.
bnzz@hotmail.com