كتب يوما الصحفي المغربي توفيق بوعشرين مقالا في عموده بجريدة "أخبار اليوم" بعنوان " كيف يمكن أن ننتقد الفاسيين دون أن نكون عنصريين" وركز في مقاله على العامل السياسي كمحدد وحده لمقاربة من نختلف معه سواء كان فاسيا أو غيره من المناطق والقبائل التي تشكل خارطة المغرب الثقافية والسياسية، فمقالات توفيق بوعشرين قصيرة جدا قد تقرأها في دقائق معدودات، وهي أشبه بفترة زمنية قصيرة قد تصادفك معه في القطار ما بين سلا وأكدال، وتسأله سؤالا محددا، فيجيبك في هذي المدة الزمنية القصيرة، ولكن ما يحسب على مقالاته، كما أراها أنا طبعا، أنها بالرغم من قصرها فهي عميقة جدا، لأن كاتبها يتكلم من موقع الكاتب الصحفي ذي الخلفية الأكاديمية في العلوم السياسية والمنفتح على السوسيولوجيا والتاريخ، الشيء الذي ،يجعلني أنا شخصيا حتى لا أعمم، أملأ فراغات كثيرة وأزيد وأنقص من عندياتي حتى يتولد نصا موازيا آخر لنصوص الكاتب القصيرة.
بناء على النص الأصلي الذي كتبه بوعشرين، جاز لي أن أطرح السؤال التالي: كيف يمكن أن ننتقد بعض سلوكات العلويين دون أن نكون عنصريين؟؟
الدرجة الصفر في العيش لدى بعض العلويين
إن الكثير من المغاربة من يسيء إلى العلويين نكاية في النظام السياسي الحاكم بالمغرب، ومن هؤلاء قد نجد كتابا وصحفيين يلمزون إلى الملكية بالمغرب، أو المقربين من محيط القصر عبر قناة العلويين، مما يعطي انطباعا خاطئا لدى القارئ البسيط أن العلويين ينعمون في بحبوحة من الرغد في العيش، ولهم الفيلات الفخمة والضيعات الفلاحية الشاسعة، وأبناءهم يتابعون دراساتهم في المعاهد والكليات المرموقة داخل المغرب وخارجه، ويملكون السيارات الفارهة، وأنهم فوق القانون يعتبرون أبناء الشعب كلهم "بخوش" و "دبان" لا يصلح الا للعفس بعجلات السيارات والضرب بالسواطر...الخ. لكن لا أحد منا استطاع يوما أن يتبين جيدا من هذه النظرة العنصرية، عبر تحقيق صحفي أو تقرير، على سبيل المثال،من عين المكان، التي تحشر الشرفاء العلويين في خانة الإدانة بشكل مشبوه يستدعي النظر مليا في الحالة المزرية التي تعيشها فئة من العلويين في منطقة الريصاني ومدغرة والقصور المجاورة للمنطقة.
صحيح أن الصحافي رشيد نيني سبق له أن تناول في عموده" شف تشوف" في جريدة الصباح قبل بضع سنوات قضية شريف مزور ابن أحد علية القوم بمدينة المحمدية الذي ذهب إلى علبة ليلية في مراكش اسمها Pacha وقال للمشرفين على هذه العلبة بأنه شريف وأظهر لهم شهادة التوقير والاحترام ، مما جعل المسؤولين عن العلبة الليلية يوفرون له مكانا مرموقا في VIP وجلس مع كبار القوم، وبرهة قام للمرحاض فوجدوا في مكانه الهرويين، مما جعل المسؤولين عن العلبة يستدعون رجال الأمن الذين تحققوا من هويته فوجدوا أن أوراق الاحترام والتقدير الذي يباهي بها السكارى والعاهرات مزورة من قبل كولنيل يشتغل في القصر الملكي. ومن ذاك العهد منع الملك محمد السادس هذه البطاقة على من هب ودب.
أما الشرفاء العلويون الحقيقيون فهم مشتتون في " قصور" من الطين والطوب تشبه قندهار مثل القصبة القديمة، والقصبة الجديدة، وسيدي بوعبد الله، وتازناقت، وأولاد الحاج، ومسكي ...الخ، بعدما نزح أغلبهم من تافيلالت التي لم يتبق بها سوى ثلاث "قصور" هي تعرمرت، وبوحاميد، وحموداود. هذه منطقة تعيش فقرا مدقعا مثلها مثل المناطق النائية بالمغرب غير النافع. أغلب سكانها يزاولون حرفا أقل ما يقال عنها أنها بئيسة جدا مثل حفر الآبار والبناء بالطوب وبعض المهن في سلالم متدنية بالكاد توفر لصاحبها رمق العيش وحسب، كالصحة والإنعاش الوطني والتعليم والجيش، وفي الراشيدية يوجد حي اسمه حي الشهداء أغلبه سكانه من أبناء وأرامل ممن سقطوا دفاعا عن الوحدة الترابية للمغرب.
في هذي المنطقة لا تجد شريفا علويا حقيقيا، حسب ما أفادنا به أحد الشرفاء من هذي المنطقة، يتوفر على رخصة للنقل أسوة مما يحصل عليه البعض في مناطق أخرى من المغرب النافع من إكراميات وإتاوات. ولا يتوفر أحد منهم كذلك على بطاقة تثبت الانتماء إلى النسب الشريف التي يتوفر عليها الكثير من مناطق المغرب، إلى درجة أن البعض أصبح يتخذ بطاقة شريف "فيتو" لابتزاز المواطنين.
لقد أعطت هذي المنطقة التي يسكنها العلويون الكثير للمغرب، فمنها خرج العالم السلفي شيخ الإسلام سيدي محمد بلعربي العلوي المعروف، وكذلك محمد الدويري أب عادل الدويري وزير السياحة السابق وهو من" قصر" الدويرة المشهور في المنطقة، ثم باحنيني وآخرهم عبد الكبير العلوي المدغري وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية السابق والذي ترعرع في مكناس حيث اشتغل مدرسا في الابتدائي فأستاذ في الشريعة بفاس ومحام قبل أن يعينه الحسن الثاني رحمه الله وزيرا للأوقاف، وهو كسابقيه نسوا هذي المنطقة ويئسوا منها كما يئس الكفار من أهل القبور، فلا أحد من العلويين بالمنطقة ساعده المدغري أو وقف معه كموظف بسيط في أغنى الوزارات ماديا وأقواها سلطانا !!
فكيف يسوغ للبعض منا أن يذكي الظلم بحق العلويين الضعفاء كمواطنين مظلومين يعيشون معاناتهم القاسية كباقي المواطنين المغاربة الضعفاء وهم الأغلبية الساحقة المسحوقة؟
لا فرق بين الفيلالي والجيلالي
إن القضية، وما فيها، تستدعي نقاشا سياسيا حول مفهوم الدولة في المغرب، الدولة الراعية لحقوق المواطنين بصرف النظر عن انتماءاتهم و أنسابهم واحسباهم وألوانهم، دولة الحقوق والواجبات، دولة تعنى بالإنسان المواطن بما تحمل كلمة المواطنة من معنى عميق، وليس أن ننظر إلى السلطة السياسية بالمغرب نظرة سطحية ساذجة ونرجسية تغدي نار الطائفية المقيتة، والتي تساهم في تجزيء المجزأ وتقسيم المقسم بعبارة المفكر منير شفيق، فالمسألة تتعلق أساسا بالفوارق الاجتماعية التي تهدد الأمن الاجتماعي بالمغرب ولا شك، فالكثير من المواطنين أصبحوا يكفرون بالتنظيمات السياسية والنقابات والجمعيات التي غدت لا تعبر عن آمالهم وآلامهم وأحلامهم، فلا فرق إذن، بين علوي شريف وآخر مواطن ضعيف، فأغلب المواطنين يعيشون تحت سقف واحد منغمس في ترابية ظالمة يتحكم فيها مالكو وسائل الإنتاج والأكره.
لا فرق بين الفيلالي في الراشيدية والجيلالي في الرحامنة !!
n.lechhab@gmail.com