لا أعرف لماذا تصر الدولة على التعامل معنا وكأننا مجرد شعب من قصار العقول لا يفهمون شيئا في ما يجري ويدور، ويصدقون كل ما تلفظه أفواه مقدمي نشرات الأخبار على أمواج الاعلام الرسمي.
في مجال محاربة المخدرات مثلا، لا يكاد يمر أسبوع دون أن نسمع عن حجز شاحنة محمّلة بأطنان من الحشيش المغربي في ميناء مدينة طنجة. تذهب كاميرات التلفزيون إلى هناك، وينقلون إلى المشاهدين صور رجال الجمارك والأمن وهم يفرغون محتوى الشاحنة المحجوزة، وكأنهم حققوا إنجازا باهرا، والحال أن الدولة لو كانت تريد حقا أن تحارب المخدرات المنتوجة محليا، لم تكن بحاجة إلى تعذيب عناصر الجمارك لمراقبة وفحص محتوى العربات التي تمر عبر بوابة ميناء طنجة، يكفيها أن تشحن طائرة صغيرة بالمبيدات وترشها على الأراضي التي يزرع فيها الفلاحون القنب الهندي في الشمال وينتهي الأمر إلى الأبد. زعما ما عارفينش كتامة فين جات؟!
لو كان الأمر يتعلق بتهريب الكوكايين مثلا، الذي يأتي من دول أمريكا اللاتينية، لصفقنا لعمليات الحجز ومجهود رجال الأمن والجمارك وقلنا بأن الأمر يتعلق حقا بعمل بطولي، أما ونحن نعلم جميعا أن الحشيش هو منتوج محلي خالص، فعمليات الحجز التي تتم في ميناء طنجة، والتي لا تشكل على كل حال سوى 20 بالمائة من مجمل أطنان المخدرات التي يتم حجزها، على اعتبار أن ثمانين في المائة من هذه المخدرات لا يتم كشفها إلا عندما تعبر إلى ميناء الجزيرة الخضراء، فهذه في النهاية ليست سوى بضاعتنا ردّت إلينا!
لكن الدولة لن تتجرأ على سحق حقول الحشيش في كتامة بشكل تام، وإن كانت تقوم بين فينة وأخرى بحملات لتدمير جزء من تلك الحقول، والسبب هو أنها لا تملك لفلاحي كْتامة عن زراعة القنب الهندي بديلا!
نحن نتحدث هنا فقط عن أطنان الحشيش التي تسافر إلى أورﭙـا عبر "القنوات الرسمية"، اللي هي الموانيء، أما مئات الأطنان التي تسافر عبر قوارب الزودياك النفاثة انطلاقا من شواطيء وبحيرات الشمال فهذه "ما داخلاش فالحساب".
اليوم هناك إشارات كبيرة على عزم الدولة محاربة تهريب الحشيش المغربي نحو أورﭙـا. الإشارة الأولى تتمثل في مشروع تحويل بحيرة "مارتشيكا" بإقليم الناظور، والمعروفة بكونها أكبر قاعدة لتهريب المخدرات عبر قوارب الزودياك، إلى منتجع سياحي.
الإشارة الثانية جاءت على لسان عبد الله العلوي البلغيثي، الوكيل العام لمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، حينما صرح بأن "آليات العدالة الجنائية ستطال كل من ستكشف الأبحاث والتحريات عن تورطهم في قضايا الاتجار في المخدرات مهما كانت مراكزهم ومواقعهم". تصريح البلغيثي جاء بعدما كشف مهرب المخدرات المفضل أكدي المعروف بلقب "طريحة"، عن أسماء عدد من المسؤولين الكبار في جهاز القضاء والأمن والدرك والداخلية، كانوا يشاركونه ويساعدونه في تهريب المخدرات عبر غضّ الطرف عن "تجارته" مقابل نصيب من الأرباح.
بحيرة مارتشيكا إذن ستتحول إلى منتجع سياحي، لكن أباطرة المخدرات لن يعدموا قواعد أخرى على الساحل الشمالي يتخذونها منطلقا لتهريب المخدرات نحو الضفة الأخرى للمتوسط، وإذا أرادت الدولة أن تقضي على التهريب بتحويل الأماكن التي تنطلق منها زوارقهم النفاثة سيكون عليها أن تنشيء منتجعا سياحيا ضخما على طول 3500 كيلومتر، وهو طول السواحل المغربية، وشوف تشوف
لذلك فالذي ينقص المغرب إذا أراد حقا أن يضع حدا لتجارة المخدرات دون أن يثير ذلك انتفاضة فلاحي كتامة، هو أن نرى كلام السيد البلغيثي يطبق على أرض الواقع، ولكن ما شي غير فالمناسبات الاستثنائية، بل ديما!
فهل ستسقط كل الرؤوس الكبيرة التي أدلى بها "طريحة" في محاضر الشرطة؟ وهل سيستمر التحقيق إلى النهاية بحثا عن رؤوس أكثر ضخامة؟ خصوصا وأن الكلمات التي ألقاها الملك حول الاصلاح الشامل للقضاء ما زال صداها يتردد في آذان القضاة الذين سيحال عليهم هذا الملف ومعهم وزير العدل. أم أن كل هذا الكلام الكبير الذي سمعناه من فم السيد البلغيثي سينتهي مرة أخرى بالتضحية بالرؤوس الصغيرة دون الاقتراب من أعواد الثقاب الكبيرة؟
الأيام القادمة وحدها ستجيب، إذا أخذت العدالة مجراها الطبيعي واستطاعت بلوغ خط النهاية سيكون ذلك بمثابة بداية حقيقية للقضاء على تجارة المخدرات ببلادنا، وإذا حدث العكس فرجاء كفى من استغبائنا!
Lesoir2006@gmail.com