في المغرب والمشرق والغرب، يتزايد التّشوف إلى رجال التصوف، وهذا التعبير مقتبس من عنوان كتاب شهير حققه وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الحالي. وهو كتاب يتناول سيرة العبّاد وكراماتهم الموجهة حصرا "لأهل اليقين"، لأن العصر لا يخلو من شاك أو جاحد.
وفي تقديم سبب تحمل عبء التحقيق عام 1982 ذكر أحمد التوفيق أن "التشوف إلى رجال التصوف" يُعرّف بالتاريخ الثقافي والاجتماعي للمدن والبوادي، ويرصد "فترة دقيقة من التحول الثقافي بالمغرب الأقصى تمتد بين القرن الخامس والقرن السابع للهجرة" ص5.
وقد ذكر التوفيق نقلا عن المؤرخ الناصري أن ابن الزيات ت 617هـ 1220م وضع كتاب التشوف في عام عرف فيه المغرب "الجراد والقحط والغلاء الشديد" ص 14. كما عرفت المرحلة انهزام الإمبراطورية الموحدية في معركة العقاب بالأندلس 609هـ 1212م.
وإذا سلمنا بفرضية صلة تزايد انتشار التصوف بالأزمات الاقتصادية أو الروحية، فإن الجواب الذي يقدمه التصوف يجب أن يعرف بعض التّحول والإغناء، لتكون الصلة علاجا وليس مجرد إنتاج للأزمة. والحقيقة أن التحول في دور التصوف جار على الصعيد الاجتماعي والفكري والسياسي، لكنه لم يشمل الجانب الاقتصادي بعد. وهذا ما ستتناوله هذه المقالة.
تتجلى التحولات الجارية في وظائف التصوف في:
من الهامش إلى المركز
فطيلة القرن العشرين، تبرأت الحركة الإصلاحية السلفية والمثقفين والأنظمة السياسية من الزوايا و"البدع" لأنها مصدر تخلف وعلى صلة بالاستعمار، وهذا ما دفع الممارسة الصوفية إلى الظل، لكن الوضع بدأ بالتغير منذ نهاية القرن الماضي.
يحكى أن فقيها وبخ مريدين في زاوية لأن شيخهم غادر الزاوية ليهنئ أحد الأمراء، قال الفقيه:
ـ "ويحكم ما كفاكم أن فتحتم الدكان وتطوفون على رؤوسكم بالسلع ؟"
هذه الأيام يبدو أن تزايد الطلب على السلعة قد جعل الأمير هو الذي توجه إلى الزاوية بقدميه حافيا، للتبرك بالشيخ، ولتعبيد طريق الأمير وضمان سلامته تم نقل أنشطة التصوف من الهامش إلى قلب المدينة، من الزوايا المعتّمة إلى الفضاءات المضاءة جيدا مثل المسارح وقاعات البلديات وكل فضاءات التنشيط العصرية. ويستخدمها المتصوف لتحلية باطنه وتجميله وتنقية النفس بالأمداح والوجد ونشر الموسيقى الروحية و... إلى آخر هذا المعجم الصاعد حاليا.
أهلا بالبيروقراطية الصوفية
لم تقتصر النّقلة على الفضاءات، بل شملت المناصب أيضا، فقد عين الملك ولد شيخ الزاوية البودشيشية عاملا على إقليم بركان، كما استبدل في 2002 وزير الأوقاف السابق الذي يساند إقامة حكومة ملتحية بأحمد التوفيق الذي خطط لجعل التصوف في خدمة السلطة من خلال خلق تساوق بين المشروع الديني والمشروع السياسي للمملكة، يقول في حوار مع جريدة يسارية "في حلقة التصوف يمكنني أن التقي منتمين إلى جميع الأحزاب السياسية، لكنهم هنا لا تنازع بينهم، ذلك لأنهم إذا تغذوا من المعنى الذي ترتبط به تلك الحلقات، وهو محاسبة النفس بمعنى اكتساب القوة ضد الفساد والإفساد، فمثل هذه العناصر هي التي تحتاجها الأحزاب" الاتحاد الاشتراكي 10-11-2005.
يبدو أن الدولة هي التي تحتاج تلك العناصر التي بدأت تتكاثر في الجامعة المغربية. وقد تم تعيين موظفين سامين عديدين من ذوي الميول الصوفية، وكلما زاد التكنوقراط الصوفيين، الذين يحاسبون النفس لأن الشعب لا يحاسبهم، سهل تحقيق التساوق الذي خطط له التوفيق.
من العامة إلى الخاصة
آن للأحزاب والنخب إذن أن تتعلم من المتصوفة، وهكذا سيشمل نمط تديّن محدود وهامشي عامي، سيشمل وسيحتوي وسيعالج النخبة التائهة منذ عقود بين نجوم الفكر والأدب والفن والرياضة، دون أن توفر لها هذه المجالات العلمانية بديلا يشبع الحاجات الروحية. حين اكتشفت هذه الفكرة قمت برحلة إلى مكة. وبفضل ذلك العلاج ظهرت ميول صوفية تعبدية لدى من كانوا يخجلون من إعلان تدينهم، فها هم شيوخ الأحزاب والأعيان وموظفو الدولة الكبار يتصدرون جلسات الغناء المسمى "السماع الصوفي" ويطلبون المدد الروحي من النبي العدنان... وحولهم النخبة الفرانكفونية التي تسهر بورع على تنظيم الندوات الفكرية وإصدار الكتب السميكة لتبين للغافلين سحر التصوف وتُشرْعنه كنمط تديّن يلائم روح العصر. ويتم اكتشاف تلك الروح بدهشة كل مرة، لغاية في نفس المُكتشف.
التصوف بديلا للإصلاح والديمقراطية
بعد سبتمبر 2001 نصحت الحكومة الأمريكية دول العالم العربي والإسلامي بتبني الإصلاح والديمقراطية، وبعد أول انتخابات بجرعة حرية ظهر أن ذلك سيفيد الإسلاميين فقط، بلعت أمريكا نصائحها وخرج معهد راند ومعهد كارنيجي Carnegie PAPERS Sufism in Central Asia يقترح على حكومات العالم الإسلامي جذب الحركات الصوفية إلى صفها واستخدامها كمنافس للحركات الإسلامية الأخرى المتطرفة والمتعصبة والوهابية.
وقد عقد مركز نيكسون للدراسات في العاصمة الأمريكية – حسب موقع إسلام أولاين - ندوة ناقش فيها كيفية إسهام الصوفية في تحديث ودمقرطة العالم الإسلامي.
لقد سبق المغرب نصائح الأمريكيين، وهكذا صار التصوف المتسامح ادلوجة للدولة، يقول عبد الله العروي "كل دولة لا تملك أدلوجة تضمن درجة مناسبة من ولاء وإجماع مواطنيها لا محالة مهزومة" مفهوم الدولة ص48. يبدو أن السياسيين المرعوبين المضطرين للإجابة الفورية عن أسئلة المرحلة، يتبعون النصيحة الأمريكية.
هذه وصفة قد تفيد محليا، ودوليا أيضا، بعد أن ثبت انه من الصعب هزم التشدد بالسلاح، لقد ذهبت أمريكا لتهدم دولة طالبان في أفغانستان فانتهت بإنشاء دولة طالبان أخرى في وادي سوات بباكستان. البديل الصوفي مغر، لمحاربة التشدد من داخل المنطق الديني.
التصوف من التمرد إلى الموالاة
"كان التصوف بالنسبة لتيار السلطة في الإسلام، خطرا يتهدد النظام"، هكذا يقول مهدي عامل، يضيف حسين مروة أن في التصوف نواة ثورية تُنظر لعالم طوباوي يتجاوز السلطة السياسية للنظام الاجتماعي المسيطر، لهذا استحق القمع، ومن أشهر الضحايا الحلاج والسهروردي. يقول المستشرق ليفي بروفنصال "لم يكن التاريخ المغربي، في مجموعه، ومنذ القرن الخامس عشر [الميلادي]، إلا صراع Lutte السلطة المركزية ضد الزعماء الدينيين". وقد وصل الأمر بأحد المتصوفة – ابن عاشر - أن رفض مقابلة السلطان في مدينة سلا. تطبيقا لنصيحة الغزالي في الإحياء باعتزال الأمراء.
ما يجري الآن هو تحويل التصوف من حركة ثورية إلى حركة موالية، لا تنازع في شرعية السلطة القائمة، بل تتماهى معها لتسهّل مامورية أولي الأمر وتهديهم وتنور طريقهم وتزكي بواطنهم...
من الإلحاد إلى التدين المسيّس
"كان لتعريب الثقافة اليونانية وغيرها من الثقافات الأعجمية، تنفيذا لرغبة الخليفة العباسي ـ المأمون ـ أثره الرجعي على الحركة الفكرية، واستفحل أمره وزاد خطره... وما فتح القرن الخامس [الهجري] صفحاته، حتى كادت المادية الملحدة أن تأتي على بنيان الدين... وفي هذا الظرف العصيب وقف الغزالي يناضل عن تعاليم الإسلام الحقة، فأخذ في وضع تآليف... فحال بتآليفه هذه دون وقوع الكارثة".
هذا ما جاء في مقدمة كتاب الإحياء للغزالي، ومنه انطلقت حرب شعواء ضد الفلاسفة، حتى أهين أبن رشد في مراكش حيا وميتا، وقد كان كتاب الإحياء مؤثرا حتى أنه تجاوز الفلاسفة و"كشف عُوار الفقهاء" كما جاء في كتاب التشوف، والفقيه هو المختص بعلم الظاهر، بينما يختص الصوفي بعلم الباطن.
حاليا لا توجه رماح التصوف الزكية إلى أنصاف الملاحدة والفلاسفة، بل إن هؤلاء صاروا يكتشفون ابن عربي وجلال الدين الرومي بلذة، ويكتبون مجلدات بلغات الغرب في هذا الباب. بفضل هذه المصالحة، صارت تلك الرماح الناعمة تصوب إلى نحر التدين المسيس والتنظيمي. ويوفر هذا التوظيف البراغماتي أرباحا فورية، إذ بدل النشاط الثقافي الحداثي الذي يستفز الإسلاميين، حلت الأمداح والوجد نشاطا ثقافيا ودليلا على التسامح ونبذ والتشدد والعنف، وقد صور المخرج خالد يوسف المتصوفة ينظرون لسيقان هيفاء وهبي بتعجب في فيلم "دكان شحاته".
ينتظر أن تمكن هذه الخدمة من:
1- خلق فضاءات استقطاب جديدة بعد أن فقدت الأحزاب ودور الشباب جاذبيتها.
2- رد الاعتبار لمثقفين مثل طه عبد الرحمان الذي يتهم ابن رشد بالتجسس على المتصوفة.
3- احتواء وإضعاف الإسلام السياسي، لأن التصوف يشخصن/ يفردن الدين بدل تسييسه، يجعل العبادة مسألة خصوصية، ولهذا يعادي الإخوان المسلمون المتصوفة. وفي هذا خلق شقاق واستثمار لترك الصوفي للسياسية، فهو منشغل بالخلوة وليس بالشأن العام وكلما تعرض للصّدمات الاقتصادية والاجتماعية ازداد انقطاعه عن الدنيا الفانية، بينما ناشط الإسلام الحركي يجعل حشد العامة عماد تحقيق مطالبه السياسية، وكلما زاد إحباطه زاد عنفه.
4- تثمين النبر الاستسلامي للتصوف للتخويف من هدير احتجاجات الجماعات الإسلامية.
5- البديل الصوفي المغربي، محاولة لتجاوز مخاطر تجربة بعض الدول العربية التي واجهت الإسلام الحركي بالرصاص، وقد كانت النتائج كارثية، المغرب يطبق سياسة الاحتواء بدل المواجهة المعلنة، وذلك عن طريق الاعتقالات الانتقائية للمتشددين والمزايدة على الإسلاميين في التدين، لسحب البساط من تحت أقدامهم، فأول رحلة قام بها المل محمد السادس بعد جلوسه على عرش أسلافه الميامين الكرام، كانت لضريح مولاي إدريس الأزهر رضي الله عنه وأرضاه.
6- يساعد احتضان الدولة للتصوف على تسويق نموذج للإسلام المعتدل والمتسامح بدل الإسلام الحركي المجيش للجماهير. وقد أثمرت هذه التجربة بدليل العدد المتزايد من الأوروبيين والأمريكيين الذين يحجون لرحاب الزاوية البودشيشية شمال شرق المغرب.
تبين هذه الوقائع المتناثرة درجة اجتهاد السلطة في المغرب لإيجاد وسائل وبدائل لمحاصرة جماعات الإسلام الحركي، وبالنظر إلى التجربة الدموية لجارتنا الجزائر التي خلفت 150000قتيل، فإن النموذج المغربي مدهش، حتى أن في البلد جماعة إسلامية هي "العدل والإحسان"، كان شيخها من المتصوفة، وهي جماعة ترفض العنف تماما، وهي استثناء في هذا الباب.
تربية الصوفي المنتج
على الصعيد الاقتصادي، تتبنى الدولة اللبرالية واقتصاد السوق والمنافسة لتحقيق التنمية، أما على صعيد التدبير الديني فتتبنى التصوف. لكن التصوف يجرّم الجري وراء الربح ويدعو الفرد إلى النجاة بنفسه عبر ذم الدنيا وأوساخها التي يملكها الأثرياء، وهو بذلك غير منتج اقتصاديا، وقد انتقد ابن قيم الجوزية كسل الصوفية لأنهم "بدنوا أنفسهم بدن البهائم للأكل والشرب والرقص والغناء..." والتأمل طبعا، وأستعير هنا وصفة ماكس فيبر التي تبين علاقة الدين بالاقتصاد، لأطالب بعقلنة ورسملة التصوف القدري، ليكون له دور في زيادة الإنتاج الاقتصادي. فيهتم أهل الخلوة والذكر بخلق الثروة بدل انتظار الهبات.
في كتابه "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية"، يتقصى فيبر تجليات القرابة بين قيم التقوية البروتستانيتة وروح الرأسمالية، ويلخص نقد لوثر للكاثوليكية "إن تخطي المرء قيم الحياة الدنيا بالتقشف الرهبني ليس هو الوسيلة الوحيدة للعيش بطريقة ترضي الله، بل تكمن الوسيلة في أن يقوم المرء بواجباته في الحياة بما يتوافق وموقعه الاجتماعي" ص52 البديل هو النسكية البروتستانتية المناقضة لصوفية باسكال التأملية بحقدها العميق وكرهها لكل نشاط دنيوي ص53. وهي بذلك تخفض مستوى الصلة بالواقع المادي وتغرق الفرد في الروحانيات.
بدل الصوفي العاطل، الذي يكره الإقامة في المدن ويشبهها بأكل لحم الجيف، يجب تربية الصوفي المديني المنتج، وقد أصبح هذا المطلب ملحا بعد أن امتد التصوف إلى الطبقة الوسطى وبيروقراطية الدولة، وإلا فإن المجتمع سيفقد أقوى رافعتين فيه. من السهل الرد على هذا الاقتراح بسرد نصوص إسلامية تحث على العمل وتعتبره عبادة، إلا أن هذا الاقتراح لا ينكر النصوص بل ينكر الممارسات الجارية ويستهدف تبديلها بقيم ثبت تاريخيا أنها مجدية اقتصاديا.
يقول فيبر "لا يمكن للرأسمالية أن تستخدم عمل أولئك الذين يطبقون مبدأ القدرية غير المنتظم" ص31. الرأسمالية ترفض اقتصاد الحاجات، ويسميه فيبر "سلفية اقتصادية". وفي مغرب اليوم، تتسبب السلفية الاقتصادية في كوارث، ويتجلى الأمر بوضوح في مجال الفلاحة، حيث الأراضي والماء، ولكن الإنتاج ضعيف جدا، مما يثبت أن فقر المغاربة سببه قيمهم لا نقص مواردهم. وبسبب هذه القيم الخربة يحتاجون من يزرع لهم ويدير شركات نقلهم بل ومن يجمع أزبالهم...
سيزداد هذا الوضع سوءا إذا أدت حركة "تصويف" القوى الحية في المجتمع إلى تزايد القدرية وذم الدنيا. لذا ينبغي تحسين علاقة المتصوف بالدنيا كي لا يؤدي قلقه المتنامي أمام مشهد العالم إلى الهروب من الحياة الاقتصادية العادية ص119، وذلك لتعيش الموهبة الدينية بانفتاح ودون انزعاج في العالم وتحصل على رضى الله وبركته من خلال النجاح في الأعمال ص 86.
لتحقيق ذلك، ينبغي ضخ قيم دنيوية اقتصادية في دم التصوف، وهذه القيم التي رصدها فيبر في التقوية هي:
-1تربية الإنسان الاقتصادي الحديث وقد جسده روبنسن كروزو الذي ينظم ويقتصد ويبني ليعيش.
-2اعتبار تبديد الوقت هو أول وأخطر الخطايا.
-3 ذم التأمل غير الفاعل واعتباره جديرا بالعقاب.
-4 اعتبار العمل هو أول وسيلة نسكية تقوية، ليعمل الغني والفقير، وتقسيم العمل يطور المهارات.
-5استهجان التمتع الساذج ومباركة العصامي الصبور الذي يتم واجبه المهني.
-6المزج بين حس الوطنية والبطولة.
-7تخليص الرغبة في الكسب من كوابت الأخلاق التقلداوية.
-8 كبح الاستهلاك وتشجيع السعي المستميت وراء الربح مما يشجع الادخار، مع رفض الاستثمار في العقار فقط لأن ذلك سلوك ميركانتيلي.
-9دعم الأخلاق الاقتصادية للمشروع البرجوازي العقلاني والتنظيم العقلاني للعمل ص135-144
النتيجة هي أن التقوية التي أثارت روح المشاريع وطورت روح الرأسمالية قد نمت "فضائل الموظف والمستخدم والشغيل والعامل المنزلي "الأوفياء" جميعا لشغلهم" ص89 وشبّعتهم بقيم الدقة الانضباط الزهد والنزاهة. وهذه هي القيم التي يفتقدها المستخدم المغربي، لذا فإن قدرته التنافسية والإنتاجية في الحضيض.
مع هكذا تحولات إذن، ينبغي خلق التساوق المرغوب عبر تجاوز التناقض بين قيم السياسة الاقتصادية وقيم تدبير الحقل الديني. وإذا زاوجت الممارسة الصوفية بين إشباع الحاجات الروحية والفعالية الاقتصادية، فمرحى بنيل السعادة الأبدية، شرط أن يمر الطريق إليها عبر خدمة سعادة البشرية الآنية.
bnzz@hotmail.com