أدلة الشيعة على فضل أهل البيت وإمامتهم
ليس لي إلاّ ذكر غيض من فيض بخصوص تلك الأدلّة. وهي أدلة سنية لم يختص بها الشيعة إلاّ عملا فيما هي مبثوثة في مظان السنة يقرّون بها نظرا. والمقصود بإمامة أهل البيت هنا إمامة الإثنا عشر منهم حسب ما ورد في أدلّة السنّة. والمقصود بالفضل سائر أهل البيت كلّ بحسب مرقاه في العلم والسلوك. فالوصية كانت لأئمتهم المعيّنين فيما الوصية سارية بعمومهم. ولا يخفى أن القول بإمامتهم يعم ولايتهم وتقديمهم واتباعهم وترجيح بيانهم للشريعة.
وسأتحدث هنا من زاويتين:
ـ فضل أهل البيت بالجملة
ـ الدليل على إمامتهم
فضل أهل البيت
إنه عبث، أن الصلاة على محمد وآل بيته في التشهد في كل صلاة المسلمين ، لا تعبر عن شأنية أهل البيت وخصائصهم التي فاقوا بها كل من عداهم. وقد عبّر الشافعي عن ذلك بأن من لم يأتها لا صلاة له. لأنه قائل بالبطلان مع تركها. وتلك هي مفخرة أهل البيت وأسد الأدلة على فضلهم. فأما الصلاة على محمد فهي واضحة معلومة المقاصد، فما معنى الصلاة على آله إن لم يكن لهم شأنية في الإسلام. وإن المقصود بالصلاة هنا هم الأئمة المخصوصين منهم لا مطلق من له علقة نسب لأن ذلك لا ينصرف على العموم لأن منهم المنحرفين والفساق كما لا يخفى . فكان ذلك هو أسد الأدلة في نظري على إمامة الأئمة منهم، لأنها لو كانت صلاة عامة لخالفت المقصود الشرعي ، لكنها لا تتفق إلا مع تخصيصها في الأئمة، وذلك لضمان معصوميتهم. إنني أعتبر أن أسد الأدلة وأقصرها على إمامة الأئمة من أهل البيت هي الصلاة الابراهيمية المقررة . وأنا من هنا أوجه من يهمه الأمر إلى تأملها واسخراج معانيها الكامنة . فهي تلخص معاني وأبعاد كثيرة أستطيع أن أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
ـ إن بعض النواصب سنّوا سب علي بن أبي طالب ولعنه من على المنابر ما يقارب قرنا من الزمن. وقد فعلوا وما فعلوا لأن الله شاء أن ينسخ ما قالوا، لأنه جعل الصلاة عليهم في المفروض والنافل من صلاتهم. فكيف يصلون عليه في الصلاة ويلعنونه في التعقيبات. فلا يفعل ذلك إلا ذو الوجهين وهو كما في الخبر شرّ الخلائق. ومصداقه المنافقون. فلا غرابة أن يقول أحد الصحابة وهو أبو سعيد الخدري فيما يرويه أكثر من واحد من المحدثين ، ومنهم النسائي:" لقد كنا نعرف المنافقين ببعضهم علي بن أبي طالب".
ـ وتحصل أن الصلاة عليهم في التشهد من الصلاة ولعنه في التعقيبات ، ينسخ بعضه بعضا ويفضح بعضه بعضا. فأما الفضح فواضح. وأما النسخ، فإن الصلاة في التشهد أكثر قبولا مما في التعقيب. فقد شهد النواصب اللعانين لأمير المؤمنين أنهم ينسخون جهالاتهم في التعقيب بما يقرون به في صلاتهم. فاللعن هو الطرد من رحمة الله، وأما الصلاة فهي منتهى القرب منه تعالى. فقد نسخوا ذاك بهذا، فما بقي لهم من حجة.
ـ أن الله تعالى خلّد هذه الصلاة وحماها بتشريع عبادي ولم يجعلها خبرا يروى في التاريخ حتى تطاله يد التأويل الفاسد أو الانكار التعسفي. شأنها شأن ما صمد من فضائلهم رغم الحرب الطويلة على روايتها والاحتفاء بها.
ـ أنهم قرنوا بآل إبراهيم. والمقارنة هنا لا تعني التساوي في الفضل بل التساوي في حيثيات الاصطفاء. والدليل على ذلك أن أداة التشبيه هنا لا تختص بالآل فقط بل بمحمد وإبراهيم. وقد علمت فضل نبينا على سائر الأنبياء. فالفضل له وللمقرون به كما لا يخفى. فإذا كان محمد(ص) أفضل من إبراهيم(ع)، فآل محمد(ع) حتما سيكونون أفضل من آل إبراهيم(ع).
ـ وحيث لسان الصلاة الابراهيمية لا تعني التسوية في الفضل بقدر ما تعني التسوية في جهة الاصطفاء، قلنا أن كل ما ثبت في القرآن لآل إبراهيم هو ثابت وأزود لآل محمد للنكتة سابقة الذكر.
ـ وعليه ندرك أن المقصود هم الأئمة من ذرية محمد(ص) وليس مطلقهم. وقد دلت الأخبار على ذلك بالتخصيص. ودل على ذلك ما جاء في قوله تعالى:" وإذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فأتمهم. قال إني جاعلك للناس إماما. قال ومن ذريتي، قال لا ينال عهدي الظالمين". فإبراهيم يقول من ذريتي ومفادها التبعيض وليس مطلق الذرية. بل الأئمة والأوصياء منهم.
ـ إن الوصاية لذرية إبراهيم هي دعوة إبراهيم(ع)، كما الوصاية لذرية الرسول(ص) هي دعوة محمد(ص) أيضا. بتعبير أدق: الوصية لخاصة الأئمة من أهل البيت(ع) والوصية بعمومهم.
ـ إن اصطفاء آل إبراهيم هو من الله. وهو كذلك بالنسبة إلى آل محمد(ص).
ـ إنها واردة في التشهد عند كل صلاة. وللتشهد معنى عظيما في الشريعة. وفي الصلاة منتهى الأهمية والاعتبار.
ـ هذا ومثله مما لا يسع المقام الاستقصاء والتقصي. لكن أسفي أن المسلمين يرددون ذلك صباح مساء ولا أحد تأمل فيما هو ركن مفروض أو على الأقل آكد مندوب عند من لا يرى الوجوب. لا أحد يتأمل!؟ أقول لو أن بعضهم التفت إلى معانيها المذكورة لاستبدلها كما استبدلها البعض أو كان على الأقل اعتبروها غير مبطلة خلافا للشافعي ممن قال بالبطلان من دون الاتيان بها.
لقد نال سلمان الفارسي درجة رفيعة ما نالها أحد من صحابة رسول الله(ص)، وذلك حينما قال عنه: " سلمان منا أهل البيت". فلو لم يكن لهذا الانتساب ما يفوق غيره لما قالها سيد المرسلين. وقد علمت أنه ما قالها إلا بعد أن تنازع الأمر كل من المهاجرين والانصار. فكان انتسابه لبيت أهل النبوة شرفا أسكت المتنازعين لمّا أدركا أن أهل البيت لا يقاس بهم أحد.
أتساءل: ماذا بوسعنا أن نفعل بكل تلك الأدلة ، هل وجب أن نرمي به عرض الحائط ؟! وهاك الأدلة التي أغضى عنها من أغضى للتذكير ليس إلا. وسأقسمها بحسب نوعية مداركها إلى ثلاثة أقسام:
ـ فضلهم وشأنيتهم في القرآن
ـ فضلهم وشأنيتهم في السنة
ـ فضلهم وشأنيتهم في التراجم والسير
وقبل ذلك، لا بد من التذكير بأن حضورا مكثفا لأهل البيت في التاريخ الإسلامي وحده يكفي لإثبات فضلهم وتميزهم. فلو كانوا لا يختصون بفضل لما انقصم ظهر التاريخ الإسلامي لأجل قضيتهم حتى اليوم. ولو لم يكن لهم مائز ، فكيف يحصي التاريخ ويسجل أنهم علّموا المسلمين بينما لم يأخذوا عن غيرهم علما قط. وإذن فلنقل:
فضلهم وشأنيتهم في القرآن
إنني أجد كل آية نزلت في حقهم أو في حق أميرهم ، فيض من آيات لا ينضب. لو سلكنا منهج التأويل الحق لا التأويل الفاسد لوجدنا كل ما نطلب من القرآن. أليس فيه نقرأ:" فيه تبيان كل شيء"؟!
أجل، ولكن ليتنا نتفق على قواعد التأويل الصحيح ، إذن لرأينا عجبا. بل هذا مفاد قول الإمام الصادق(ع): "لو قرء القرآن كما أنزل لوجدوا فيه مسمّين". فدعنا نتأمل قوله تعالى من سورة براءة:
" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ".
أورد أكثر من واحد أنها نزلت في علي بن أبي طالب(ع).
ففي تذكرة الخواص : ذكر الثعلبي في تفسيره عن ابن عباس أنه علي.
وفي الدر المنثور: أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله " اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " قال : مع علي بن أبي طالب .
وأخرج ابن عساكر عن أبي جعفر في قوله " وكونوا مع الصادقين " قال : مع علي بن أبي طالب .
وعجبا أن بعضهم حاول أن يصرف المعنى إلى غيره بما لا يستقيم ظاهرا ولا باطنا. وقد أحصى صاحب زاد المسير في التالي:
قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا اتَّقوا الله وكونوا مع الصَّادقين "، في سبب نزولها قولان .أحدهما : أنها نزلت في قصة الثلاثة المتخلِّفين .
والثاني : أنها في أهل الكتاب . والمعنى : يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى اتقوا الله في إيمانكم بمحمد صلى الله عليه وسلم وكونوا مع الصادقين .
وفي المراد بالصادقين خمسة أقوال .
أحدها : أنه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، قاله ابن عمر .
والثاني : أبو بكر وعمر ، قاله سعيد بن جبير ، والضحاك . وقد قرأ ابن السميفع . وأبو المتوكل ، ومعاذ القارىء : «مع الصَّادِقَيْنِ» بفتح القاف وكسر النون على التثنية .
والثالث : أنهم الثلاثة الذين خُلِّفوا ، صدقوا النبي صلى الله عليه وسلم عن تأخُّرهم ، قاله السدي .
والرابع : أنهم المهاجرون ، لأنهم لم يتخلَّفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد ، قاله ابن جريج . قال أبو سليمان الدمشقي : وقيل : إن أبا بكر الصديق احتج بهذه الآية يوم السقيفة ، فقال : يا معشر الأنصار ، إن الله يقول في كتابه : { للفقراء المهاجرين الذين أُخِرجوا } إلى قوله : { أولئك هم الصادقون } [ الحشر : 8 ] من هم؟ قالت الأنصار : أنتم هم . قال : فان الله تعالى يقول : { اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } فأمركم أن تكونوا معنا ، ولم يأمرنا أن نكون معكم ، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء .
والخامس : أنه عامّ ، قاله قتادة و«مع» بمعنى «مِنْ» ، وكذلك هي في قراءة ابن مسعود : «وكونوا من الصادقين» .
قلت إن في ذلك تعمل وتكلف ظاهر لأسباب سأذكرها تباعا:
ـ حسبك أن علي بن أبي طالب ، حسب ما صح واشتهر هو من بلغ هذه الآية بعد أن أمر بأخذها ممن سلمت له لتبليغها قبل ذلك ، في حيثية مفصلة مشهودة. وهي قصة تبليغ سورة البراءة. يروي أحمد في مسنده عن أبي بكر: " ان النبي بعثه ببراءة لأهل مكة ، لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ولا يدخل الجنة الا نفس مسلمة ، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة فأجله إلى مدة ، والله برئ من المشركين ورسوله ، قال فسار بها ثلاثا ثم قال لعلي " الحقه فرد علي أبا بكر وبلغها أنت " قال : ففعل ، فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر بكى وقال : يا رسول الله حدث في شئ ؟ قال : " ما حدث فيك الا خير ، ولكني أمرت ان لا يبلغه الا أنا أو رجل مني ".
حديث تبليغ الآية مما رواه أكثر من واحد من رواة السنن والأخبار مثل الحاكم في المستدرك وكذا الترمذي في الصحيح والنسائي في خصائصه ، كما رواه أكثر من واحد من الصحابة كابن عباس وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمر.
فكيف يكون الفضل فيها راجع للخليفة الأول وهو في تقدير العامة أفضل من الباقين، وقد أمر علي بأن يلحق به لأخذها منه وتبليغها للحجيج في مكة، حتى خشي الخليفة الأول من هذا الاجراء وسأل الرسول(ص)، أنزل في شيء؟ فلو كان هو المعني بالصادقين في الآية لكان الأولى بتبليغها، فتأمل.
ـ إن ديدن المفسرين في دأبهم على مخالفة الشيعة ، اللجوء إلى لعبة تمييع المعنى. وقد تأكد أنها في علي بن أبي طالب لا في غيره كما في قول مجاهد: الخطاب لعلي وهو في حقه على وجه التأكيد".
ـ إنهم ميّعوا مفهومها لتصبح عامة كما ميعوا مصداقها لتصبح في المخلفين
ـ لا خلاف أن عليّا ما انزاحت عنه الخلافة بعد موت الخليفة الثاني إلا لرفضه لسنتهما فيما فاوضه عليه عبد الرحمن بن عوف. فهو لم يكن معهما. فلو كانوا المعنيين بـ" كونوا مع الصادقين" لكان أولى بعلي أن يقبل بسنتهما، وإلا كان ذلك مناقضا لكونه أمير كل آية ذكر فيها يا أيها الذين آمنوا.
ـ استدلال الخليفة الأول عام وهو مردود بتخصيص قول أمير المؤمنين: قالوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة. وقوله في عجز البيت: فغيرك أولى بالنبي وأقرب.
ويفهم منها أن أصدق مصاديقها هم أهل البيت لا غيرهم. بل ان خطاب "كونوا مع الصادقين" موجه للمهاجرين والانصار معا، وهم المكلف الأوّل به.
ـ إن كل ما جاء في علي وأهل بيته ينسجم مع المقصود من الآية الكريمة. فهم من أمر المسلمين أن يكونوا معهم.
ـ ليست أول آية في الصادقين نزلت في علي بن أبي طالب. انظر قوله تعالى:"من المؤمنين صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى ومنهم من ينتظر".قال بن الجوزي في تذكرة الخواص : قال عكرمة عن ابن عباس: الذي ينتظر أمير المؤمنين. ومثله ذكر ابن حجر وابن مردويه وابن الصباغ المالكي وآخرون.
ـ وحسبك ما جاء في خصائص النسائي وتذكرة بن الجوزي وآخرون في قول علي بن أبي طالب: أنا الصديق الأكبر لا يقولها بعدي إلا كاذب، آمنت قبل الناس سبع سنين.
ـ نحن المسلمين مأمورون باتباع أهل البيت(ع) نصا من الكتاب والسنة، ولسنا ملزمين باتباع أحد غيرهم، ولا كلاما غير كلامهم يلزمنا بموجب المعذرية والمنجزية. فهذا كافي لترجيح المراد من قوله: "كونوا مع الصادقين".
ـ الصحابة أنفسهم مدعوون لاتباع أهل البيت. فلو كان غير أهل البيت هم المعني بالصادقين، فهل أمر أهل البيت أن يتبعوا المخلفين وغيرهم؟! أم المعنى لا يستقيم إلا بما دلت عليه الأدلة بوجوب اتباعهم لأهل البيت(ع)، والصحابة أول المكلفين بذلك ، فتأمل.
أقول:
إنه تحصيل حاصل أن يرد فيه ذلك. فالذي كان في مقدمة المطهرين بنص الكتاب ألا يكون رمزا للصادقين.
أقول أيضا ، أن المعنى متعدي لباقي أئمة أهل البيت. وذلك لأننا نجد في ذكر فضائلهم ما يقرنهم بمحمد وعلي كما في آية التطهير وكما في خبر سفينة النجاة. فذكر علي هنا من باب أصدق المصداق. وكالصلاة على محمد في القرآن التي بينتها السنة بأنها ليست تامة إلاّ برديف الآل. ومصداقها الصلاة الابراهيمية كما سبق من حديثنا. فحديث السفينة يشمل باقي أئمة أهل البيت(ع) الذين قال عنهم: "مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن رغب عنها هلك". وقول (ص): تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض". وافظ أبدا يؤكد أن التمسك بهم يهدي وينجي إلى يوم القيامة. وهذا تفصيل ومصداق لقوله :" كونوا مع الصادقين". وهذا مفاد ما ذكر سبط بن الجوزي في التذكرة بخصوص الآية الكريمة :" قال علماء السير : معناه كونوا مع علي وأهل بيته".
وحسبك من تلك الفضائل ما تفرّد به أهل الكساء دون الصحابة رضي الله عنهم لا بل دون أمهات المؤمنين من زيجات الرسول الأكرم ـ ص ـ، ما جاء في قوله تعالى: (إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ الْبَيْتِ أهل البيت ويطهركم تطهيرا) .
جاء في تفسير الطبري: "يقول: إنما يريد الله ليذهب عنكم السوء والفحشاء يا أهل بيت محمد، ويطهركم من الدنس الذي يكون في أهل معاصي الله تطهيرا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
" حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) فهم أهل بيت طهرهم الله من السوء، وخصهم برحمة منه؟
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) قال: الرجس هاهنا: الشيطان، وسوى ذلك من الرجس: الشرك.
اختلف أهل التأويل في الذين عنوا بقوله(أَهْلَ الْبَيْتِ) فقال بعضهم: عُني به رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وعليّ وفاطمة والحسن والحسين رضوان الله عليهم .
ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا بكر بن يحيى بن زبان العنزي، قال: ثنا مندل، عن الأعمش، عن عطية، عن أَبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: "نزلَت هَذِهِ الآيَةُ فِي خَمْسَةٍ: فِيَّ وَفِي عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنْهُ وَحَسَنٍ رَضِيَ الله عَنْهُ وَحُسَيْنٍ رَضِيَ الله عَنْهُ وَفَاطِمَةَ رَضِيَ الله عَنِهَا :(إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّه لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) " .
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بشر، عن زكريا، عن مصعب بن شيبة، عن صفية بنت شيبة قالت: قالت عائشة: خرج النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ذات غداة، وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن، فأدخله معه ثم قال:(إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّه لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) .
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بكر، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أنس أن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كان يمر ببيت فاطمة ستة أشهر، كلما خرج إلى الصلاة فيقول: "الصَّلاةَ أَهْلَ الْبَيْتِ(إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّه لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطِهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) ".
حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا يحيى بن إبراهيم بن سويد النخعي، عن هلال، يعني ابن مقلاص، عن زبيد، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة قالت: كان النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم عندي، وعلي وفاطمة والحسن والحسين، فجعلت لهم خزيرة، فأكلوا وناموا، وغطى عليهم عباءة أو قطيفة، ثم قال: "اللَّهُمَّ هَؤلاءِ أَهْلُ بَيْتِي، أذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَوَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا".
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا يونس بن أبي إسحاق، قال: أخبرني أبو داود، عن أَبي الحمراء، قال: رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، قالَ: رأيت النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إذا طلع الفجر، جاء إلى باب علي وفاطمة، فقال: "الصَّلاةَ الصَّلاةَ"(إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّه لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرُا) " .
حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال: ثنا الفضل بن دكين، قال: ثنا يونس بن أبي إسحاق، بإسناده عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم مثله.
حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال: ثنا الفضل بن دكين، قال: ثنا عبد السلام بن حرب، عن كلثوم المحاربي، عن أَبي عمار، قال: إني لجالس عند واثلة بن الأسقع إذ ذكروا عليًّا رضي الله عنه، فشتموه، فلما قاموا قال: اجلس حتى أخبرك عن هذا الذي شتموا؛ إني عند رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إذ جاءه علي وفاطمة وحسن وحسين، فألقى عليهم كساء له، ثم قال: "اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي، اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا". قلت: يا رسول الله، وأنا؟ قال: "وَأَنْتَ". قال: فوالله إنها لأوثق عملي عندي .
حدثني عبد الكريم بن أبي عمير، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا أبو عمرو، قال: ثني شداد أبو عمار قال: سمعت واثلة بن الأسقع يحدث، قال: سألت عن علي بن أبي طالب في منزله، فقالت فاطمة: قد ذهب يأتي برسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إذ جاء، فدخل رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ودخلت، فجلس رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على الفراش وأجلس فاطمة عن يمينه وعليا عن يساره وحسنا وحسينا بين يديه، فلفع عليهم بثوبه وقال:(إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أَهْلِي ، اللَّهُمَّ أَهْلِي أَحَقُّ". قال واثلة: فقلت من ناحية البيت: وأنا يا رسول الله من أهلك؟ قال: "وَأَنْتَ مِنْ أَهْلِي". قال واثلة: إنها لمن أرجىما أرتجي.
حدثني أَبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أَبي سعيد الخدري، عن أم سلمة قالت: لما نزلت هذه الآية:(إِنَّمَا يَرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) دعا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم عليا وفاطمة وحسنًا وحسينًا، فجلل عليهم كساء خيبريا، فقال: "اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي، اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا". قالت أم سلمة: ألست منهم؟ قال: "أَنْتِ إلَى خَيْرٍ".
حدثنا أَبو كريب، قال: ثنا مصعب بن المقدام، قال: ثنا سعيد بن زربي، عن محمد بن سيرين، عن أَبي هريرة، عن أم سلمة قالت: جاءت فاطمة إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ببرمة لها قد صنعت فيها عصيدة تحلها على طبق، فوضعته بين يديه، فقال: "أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ وَابْنَاك؟" فقالت: في البيت، فقال: "ادْعِيهِمْ ". فجاءت إلى علي فقالت: أجب النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أنت وابناك، قالت أم سلمة: فلما رآهم مقبلين مد يده إلى كساء كان على المنامة فمده وبسطه وأجلسهم عليه، ثم أخذ بأطراف الكساء الأربعة بشماله فضمه فوق رءوسهم وأومأ بيده اليمنى إلى ربه، فقال: "هَؤُلاءِ أَهْلُ الْبَيْتِ، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا".
حدثنا أَبو كريب، قال: ثنا حسن بن عطية، قال: ثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد، عن أم سلمة؛ زوج النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن هذه الآية نزلت في بيتها(إِنَّمَا يَرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) قالت: وأنا جالسة على باب البيت، فقلت: أنا يا رسول الله ألست من أهل البيت؟ قال: "إِنَّكِ إلَى خَيْرٍ، أَنْتِ مِنْ أَزْوَاجِ النِّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم". قالت: وفي البيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهمحدثنا أَبو كريب، قال: ثنا خالد بن مخلد، قال: ثنا موسى بن يعقوب، قال: ثني هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، عن عبد الله بن وهب بن زمعة، قال: أخبرني أم سلمة أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم جمع عليا والحسنين، ثم أدخلهم تحت ثوبه، ثم جأر إلى الله، ثم قال: "هَؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي". فقالت أم سلمة: يا رسول الله أدخلني معهم. قال: "إِنَّكِ مِنْ أَهْلِي".
حدثني أحمد بن محمد الطوسي، قال: ثنا عبد الرحمن بن صالح، قال: ثنا محمد بن سليمان الأصبهاني، عن يحيى بن عبيد المكي، عن عطاء، عن عمر بن أبي سلمة، قال: نزلت هذه الآية على النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وهو في بيت أم سلمة(إِنَّمَا يَرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) فدعا حسنا وحسينا وفاطمة فأجلسهم بين يديه، ودعا عليا فأجلسه خلفه، فتجلل هو وهم بالكساء ثم قال: "هَؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا". قالت أم سلمة: أنا معهم مكانك، وأنت على خير.
حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا إسماعيل بن أبان، قال: ثنا الصباح بن يحيى المري، عن السدي، عن أَبي الديلم، قال: قال علي بن الحسين لرجل من أهل الشام: أما قرأت في الأحزاب(إِنَّمَا يَرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) قال: ولأنتم هم؟ قال: نعم.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا بكير بن مسمار، قال: سمعت عامر بن سعد، قال: قال سعد: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حين نزل عليه الوحي، فأخذ عليا وابنيه وفاطمة، وأدخلهم تحت ثوبه، ثم قالَ: "رَبِّ هَؤُلاءِ أَهْلِي وَأَهْلُ بَيْتِي".
. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن حكيم بن سعد، قال: ذكرنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه عند أم سلمة قالت: فيه نزلت:(إِنَّمَا يَرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا). قالت أم سلمة: جاء النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى بيتي فقال: "لا تَأْذَنِي لأحَدٍ". فجاءت فاطمة، فلم أستطع أن أحجبها عن أبيها، ثم جاء الحسن، فلم أستطع أن أمنعه أن يدخل على جده وأمه، وجاء الحسين، فلم أستطع أن أحجبه، فاجتمعوا حول النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على بساط، فجللهم نبي الله بكساء كان عليه، ثم قال: "هَؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا"؛ فنزلت هذه الآية حين اجتمعوا على البساط، قالت: فقلت: يا رسول الله وأنا؟ قالت: فوالله ما أنعم وقال: "إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ".
وفي تفسير ابن كثير:
الحديث الأول: قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، أخبرنا علي بن زيد ، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمر بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول: "الصلاة يا أهل البيت، { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا }
حديث آخر: قال ابن جرير: حدثنا ابن وَكِيع، حدثنا أبو نعيم، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، أخبرني أبو داود، عن أبي الحمراء قال: رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، [قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم] إذا طلع الفجر، جاء إلى باب علي وفاطمة فقال: "الصلاة الصلاة { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } .
حديث آخر: وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا محمد بن مصعب، حدثنا الأوزاعي، حدثنا شداد أبو عمار قال: دخلت على واثلة بن الأسقع وعنده قوم، فذكروا عليًّا، رضي الله عنه، فلما قاموا قال لي: ألا أخبرك بما رأيت من رسول الله الله عليه وسلم؟ قلت: بلى. قال: أتيت فاطمة أسألها عن علي فقالت: تَوَجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلست أنتظره حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه علي وحسن وحسين، آخذ كل واحد منهما بيده حتى دخل، فأدنى عليًّا وفاطمة وأجلسهما بين يديه، وأجلس حسنًا وحسينًا كل واحد منهما على فخذه، ثم لفَّ عليهم ثوبه -أو قال: كساءه -ثم تلا هذه الآية: { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } ، اللهم هؤلاء أهل بيتي، وأهل بيتي أحق"، وقد رواه أبو جعفر بن جرير عن عبد الكريم بن أبي عمير ، عن الوليد بن مسلم، عن أبي عمرو الأوزاعي بسنده نحوه -زاد في آخره: قال واثلة: فقلت: وأنا يا رسول الله-صلى الله عليك -من أهلك؟ قال: "وأنت من أهلي"قال واثلة: إنها من أرجى ما أرتجي.
ثم رواه أيضا عن عبد الأعلى بن واصل، عن الفضل بن دُكَيْن، عن عبد السلام بن حرب، عن كلثوم المحاربي، عن شداد أبي عمار قال: إني لجالس عند واثلة بن الأسقع إذ ذكروا علي افشتموه، فلما قاموا قال: اجلس حتى أخبرك عن الذي شتموه، إني عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء علي وفاطمة وحسن وحسين فألقى صلى الله عليه وسلم عليهم كساء له، ثم قال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا". قلت: يا رسول الله، وأنا؟ قال: "وأنت" قال: فوالله إنها لأوثق عملي عندي.
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، حدثني من سمع أم سلمة تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بيتها، فأتته فاطمة، رضي الله عنها، ببرمة فيها خَزيرة، فدخلت بها عليه فقال لها: "ادعي زوجك وابنيك". قالت: فجاء علي وحسن وحسين فدخلوا عليه، فجلسوا يأكلون من تلك الخزيرة، وهو على منامةٍ له على دكان تحته كساء خيبري، قالت: وأنا في الحجرة أصلي، فأنزل الله، عز وجل، هذه الآية: { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } . قالت: فأخذ فضل الكساء فغطاهم به، ثم أخرج يده فألوى بها إلى السماء، ثم قال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا"، قالت: فأدخلت رأسي البيت، فقلت: وأنا معكم يا رسول الله؟ فقال: "إنك إلى خير، إنك إلى خير".
في إسناده من لم يسم ، وهو شيخ عطاء، وبقية رجاله ثقات.
طريق أخرى: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف، عن أبي المعدل ، عن عطية الطُّفَاوِيّ، عن أبيه؛ أن أم سلمة حدثته قالت : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي يومًا إذ قال الخادم: إن فاطمة وعليا بالسدّة قالت: فقال لي: "قومي فَتَنَحي عن أهل بيتي". قالت: فقمت فتنحيت في البيت قريبًا، فدخل علي وفاطمة، ومعهما الحسن والحسين، وهما صبيان صغيران، فأخذ الصبيين فوضعهما في حجره فقبَّلهما، واعتنق عليا بإحدى يديه وفاطمة باليد الأخرى، وقَبَّل فاطمة وقَبَّل عليا، وأغدق عليهم خَميصَة سوداء وقال: "اللهم، إليك لا إلى النار أنا وأهل بيتي". قالت: فقلت: وأنا يا رسول الله؟ صلى الله عليك. قال: "وأنت" .
طريق أخرى: قال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا [الحسن بن عطية، حدثنا] فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد، عن أم سلمة؛ أن هذه الآية نزلت في بيتها: { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } قالت: وأنا جالسة على باب البيت فقلت: يا رسول الله، ألستُ من أهل البيت؟ فقال: "إنك إلى خير، أنت من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم" قالت: وفي البيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، رضي الله عنهم .
طريق أخرى: رواه ابن جرير أيضا، عن أبي كُرَيْب، عن وَكِيع، عن عبد الحميد بن بَهْرَام، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن أم سلمة بنحوه .
طريق أخرى: قال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا خالد بن مَخْلَد، حدثني موسى بن يعقوب، حدثني هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، عن عبد الله بن وهب بن زَمْعَة قال: أخبرتني أم سلمة، رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع فاطمة والحسن والحسين، ثم أدخلهم تحت ثوبه، ثم جأر إلى الله، عز وجل، ثم قال: "هؤلاء أهل بيتي". قالت أم سلمة: فقلت: يا رسول الله، أدخلني معهم. فقال : "أنت من أهلي" .
طريق أخرى: رواه ابن جرير أيضا، عن أحمد بن محمد الطوسي، عن عبد الرحمن بن صالح، عن محمد بن سليمان الأصبهاني، عن يحيى بن عبيد المكي، عن عطاء،عن عمر بن أبي سلمة، عن أمه بنحو ذلك .
طريق أخرى: قال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا مصعب بن المقدام، حدثنا سعيد بن زربي، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن أم سلمة قالت: جاءت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببرمة لها قد صنعت فيها عَصيدَة تحملها على طبق، فوضعتها بين يديه فقال: "أين ابن عمك وابناك؟" فقالت: في البيت. فقال: "ادعيهم". فجاءت إلى علي فقالت: أجِبْ رسول الله أنت وابناك. قالت أم سلمة: فلما رآهم مقبلين مدَّ يده إلى كساء كان على المنامة، فمده وبسطه، وأجلسهم عليه، ثم أخذ بأطراف الكساء الأربعة بشماله، فضمه فوق رؤوسهم، وأومأ بيده اليمنى إلى ربه، عز وجل، فقال: "اللهم، هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا".
طريق أخرى: قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن حكيم بن سعد قال: ذكرنا علي بن أبي طالب عند أم سلمة، فقالت: في بيتي نزلت: { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } . قالت أم سلمة: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيتي فقال: "لا تأذني لأحد". فجاءت فاطمة فلم أستطع أن أحجبها عن أبيها. ثم جاء الحسن فلم أستطع أن أحجبه عن أمه وجده، ثم جاء الحسين فلم أستطع أن أحجبه، ثم جاء علي فلم أستطع أن أحجبه، فاجتمعوا فَجَلّلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكساء كان عليه، ثم قال: "هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا". فنزلت هذه الآية حين اجتمعوا على البساط. قالت: فقلت: يا رسول الله، وأنا؟ قالت: فوالله ما أنعم، وقال: "إنك إلى خير" .
حديث آخر: قال ابن جرير، حدثنا ابن وَكِيع، حدثنا محمد بن بشر عن زكريا، عن مصعب بن شيبة، عن صفية بنت شيبة قالت: قالت عائشة، رضي الله عنها: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة، وعليه مِرْط مُرَحَّل من شَعْر أسود، فجاء الحسن فأدخله معه، ثم جاء الحسين فأدخله معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها معه، ثم جاء علي فأدخله معه، ثم قال: { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } .
ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن محمد بن بشر ، به.
طريق أخرى: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سُرَيج بن يونس أبو الحارث، حدثنا محمد بن يزيد، عن العوام -يعني: ابن حَوْشَب -عن عمٍّ له قال: دخلت مع أبي على عائشة، فسألتها عن علي، رضي الله عنه، فقالت، رضي الله عنها: تسألني عن رجل كان من أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت تحته ابنته وأحب الناس إليه؟ لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، فألقى عليهم ثوبا فقال: "اللهم، هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا". قالت: فدنوت منه فقلت: يا رسول الله، وأنا من أهل بيتك؟ فقال: "تَنَحّي، فإنك على خير".
حديث آخر: قال ابن جرير حدثنا المثنى، حدثنا بكر بن يحيى بن زَبّان العَنزيّ، حدثنا منْدَل، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نزلت هذه الآية في خمسة: فيّ، وفي علي، وحسن، وحسين، وفاطمة: { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } .
قد تقدم أن فضيل بن مرزوق رواه عن عطية، عن أبي سعيد، عن أم سلمة، كما تقدم.
وروى ابن أبي حاتم من حديث هارون بن سعد العِجْلي، عن عطية، عن أبي سعيد موقوفا، فالله أعلم.
حديث آخر: قال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا بُكَيْر بن مسمار قال: سمعت عامر بن سعد قال: قال سعد: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل عليه الوحي، فأخذ عليا وابنيه وفاطمة فأدخلهم تحت ثوبه، ثم قال: "رب، هؤلاء أهلي وأهل بيتي"
حديث آخر: وقال مسلم في صحيحه: حدثني زُهَير بن حرب، وشُجاع بن مَخْلَد جميعا، عن ابن عُلَيَّة -قال زهير: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثني أبو حَيَّان، حدثني يزيد بن حَيَّان قال: انطلقت أنا وحُصَين بن سَبْرَةَ وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيتَ يا زيدُ خيرًا كثيرًا [رأيتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعتَ حديثه، وغزوتَ معه، وصليتَ خلفه، لقد لقيت يا زيد خيرًا كثيرًا] ؛ حَدّثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: يا بن أخي، والله لقدكَبرَت سِنِّي، وقدم عهدي، ونسيتُ بعض الذي كنتُ أعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما حَدّثتكُم فاقبلوا، وما لا فلا تُكَلّفونيه. ثم قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطيبا بماء يدعى خُمًّا -بين مكة والمدينة -فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وَذَكّر، ثم قال: "أما بعد، ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين، وأولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به". فَحَثّ على كتاب الله وَرَغَّب فيه، ثم قال: "وأهل بيتي، أذَكِّركم الله في أهل بيتي، أذكِّركم الله في أهل بيتي" ثلاثا. فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حُرِمَ الصّدَقة بعده. قال: ومَنْ هم؟ قال هم آل علي، وآل عَقِيل، وآل جعفر، وآل عباس. قال: كل هؤلاء حُرِمَ الصدقة؟ قال: نعم .
ثم رواه عن محمد بن بَكَّار بن الريَّان، عن حسان بن إبراهيم، عن سعيد بن مسروق، عن يزيد بن حَيَّان ، عن زيد بن أرقم، فذكر الحديث بنحو ما تقدم، وفيه: فقلنا له: مَنْ أهل بيته؟ نساؤه؟ قال: لا وايم الله، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها. أهل بيته أصله وعَصبَته الذين حُرموا الصدقة بعده .
كذلك السيوطي في الدر المنثور: "أخرج الطبراني عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : جاءت فاطمة رضي الله عنها إلى أبيها بثريدة لها ، تحملها في طبق لها حتى وضعتها بين يديه . فقال لها « أين ابن عمك؟ قالت : هو في البيت . قال : اذهبي فادعيه وابنيك ، فجاءت تقود ابنيها كل واحد منهما في يد وعلي رضي الله عنه يمشي في أثرهما حتى دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأجلسهما في حجره ، وجلس علي رضي الله عنه عن يمينه ، وجلست فاطمة رضي الله عنها عن يساره ، قالت أم سلمة رضي الله عنها : فأخذت من تحتي كساء كان بساطنا على المنامة في البيت » .
وأخرج الطبراني عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة رضي الله عنها « ائتني بزوجك وابنيه ، فجاءت بهم ، فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم كساء فدكيا ، ثم وضع يده عليهم ، ثم قال : اللهم إن هؤلاء أهل محمد - وفي لفظ آل محمد - فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد كما جعلتها على آل إبراهيم إنك حميد مجيد . قالت أم سلمة رضي الله عنها : فرفعت الكساء لأدخل معهم ، فجذبه من يدي وقال إنك على خير » .
وأخرج ابن مردويه عن أم سلمة قالت « نزلت هذه الآية في بيتي { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً } وفي البيت سبعة : جبريل ، وميكائيل عليهما السلام ، وعلي ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين ، رضي الله عنهم ، وأنا على باب البيت ، قلت : يا رسول الله ألست من أهل البيت؟ قال : إنك إلى خير ، إنك من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم » .
وأخرج ابن مردويه والخطيب عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : « كان يوم أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها ، فنزل جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً } قال : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحسن ، وحسين ، وفاطمة ، وعلي ، فضمهم إليه ، ونشر عليهم الثوب . والحجاب على أم سلمة مضروب ، ثم قال » اللهم هؤلاء أهل بيتي ، اللهم اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً . قالت أم سلمة رضي الله عنها : فانا معهم يا نبي الله؟ قالت : أنت على مكانك ، وإنك على خير » .
وأخرج الترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه من طرق عن أم سلمة رضي الله عنها قالت :
« في بيتي نزلت { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت } وفي البيت فاطمة ، وعلي ، والحسن ، والحسين . فجللهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكساء كان عليه ، ثم قال » هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس ، وطهرهم تطهيراً » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « نزلت هذه الآية في خمسة : فيّ ، وفي علي ، وفاطمة ، وحسن ، وحسين ، { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً } » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم عن عائشة رضي الله عنها قالت : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة ، وعليه مرط مرجل من شعر أسود ، فجاء الحسن والحسين رضي الله عنهما ، فأدخلهما معه ، ثم جاء علي فادخله معه ، ثم قال { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً } .
وأخرج ابن جرير والحاكم وابن مردويه عن سعد قال « نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي ، فادخل علياً ، وفاطمة ، وابنيهما تحت ثوبه ، ثم قال اللهم هؤلاء أهلي ، وأهل بيتي » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال « جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فاطمة ، ومعه حسن ، وحسين ، وعلي ، حتى دخل ، فأدنى علياً ، وفاطمة . فاجلسهما بين يديه ، وأجلس حسناً ، وحسيناً . كل واحد منهما على فخذه ، ثم لف عليهم ثوبه وأنا مستدبرهم ، ثم تلا هذه الآية { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً } » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمر بباب فاطمة رضي الله عنها إذا خرج إلى صلاة الفجر ويقول « الصلاة يا أهل البيت الصلاة { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً } » .
وأخرج مسلم عن زيد بن أرقم رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « أذكركم الله في أهل بيتي ، فقيل : لزيد رضي الله عنه : ومن أهل بيته ، أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال : نساؤه من أهل بيته ، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده آل علي ، وآل عقيل ، وآل جعفر ، وآل عباس » .
وأخرج الحكيم والترمذي والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
« إن الله قسم الخلق قسمين ، فجعلني في خيرهما قسماً . فذلك قوله { وأصحاب اليمين } [ الواقعة : 27 ] و { أصحاب الشمال } [ الواقعة : 41 ] فأنا من أصحاب اليمين ، وأنا خير أصحاب اليمين ، ثم جعل القسمين أثلاثاً ، فجعلني في خيرها ثلثاً ، فذلك قوله { وأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون } [ الواقعة : 8-10 ] فأنا من السابقين ، وأنا خير السابقين ، ثم جعل الأثلاث قبائل ، فجعلني في خيرها قبيلة ، وذلك قوله { وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم } [ الحجرات : 13 ] وأنا أتقى ولد آدم ، وأكرمهم على الله تعالى ولا فخر . ثم جعل القبائل بيوتاً ، فجعلني في خيرها بيتاً ، فذلك قوله { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً } فأنا وأهل بيتي مطهرون من الذنوب » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً } قال : هم أهل بيت طهرهم الله من السوء ، واختصم برحمته قال : وحدث الضحاك بن مزاحم رضي الله عنه ، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول « نحن أهل بيت طهرهم الله من شجرة النبوة ، وموضع الرسالة ، ومختلف الملائكة ، وبيت الرحمة ، ومعدن العلم » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : لما دخل علي رضي الله عنه بفاطمة رضي الله عنها . جاء النبي صلى الله عليه وسلم أربعين صباحاً إلى بابها يقول « السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته ، الصلاة رحمكم الله { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً } انا حرب لمن حاربتم ، أنا سلم لمن سالمتم » .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن أبي الحمراء رضي الله عنه قال « حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية أشهر بالمدينة . ليس من مرة يخرج إلى صلاة الغداة إلا أتى إلى باب علي رضي الله عنه ، فوضع يده على جنبتي الباب ، ثم قال : الصلاة . . . الصلاة . . . { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً } » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال « شهدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أشهر ، يأتي كل يوم باب علي بن أبي طالب رضي الله عنه عند وقت كل صلاة فيقول : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً } الصلاة رحمكم الله ، كل يوم خمس مرات » .
وأخرج الطبراني عن أبي الحمراء رضي الله عنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي باب علي ، وفاطمة ستة أشهر فيقول { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً } .
أخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة } قال : القرآن ، والسنة ، عتب عليهن بذلك .
وأخرج ابن سعد عن أبي امامة بن سهل رضي الله عنه في قوله { واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة } قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند بيوت أزواجه النوافل بالليل والنهار . حتى ابن تيمية في الفتاوى الكبرى لم ينفي أن المقصود من أهل بيته خصوص أهل الكساء. يقول "مَسْأَلَةٌ : فِي رَجُلٍ قَالَ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ بِدْعَةٌ ؟ " الْجَوَابُ : أَمَّا كَوْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ ، فَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ ، وَهُوَ أَظْهَرُ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى دَلِيلٍ ، بَلْ هُوَ أَفْضَلُ أَهْلِ الْبَيْتِ ، وَأَفْضَلُ بَنِي هَاشِمٍ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ أَدَارَ كَسَاهُ عَلَى عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَحَسَنٍ وَحُسَيْنٍ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي فَأَذْهِبْ الرِّجْسَ عَنْهُمْ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا } ...
يذكر الآلوسي في تفسيره: { قُل لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِى القربى } [ الشورى : 23 ] وهم أقاربه صلى الله عليه وسلم الذين خلقوا من عنصره الشريف وتحلوا بحلاه المنيف كأئمة أهل البيت ومودتهم يعود نفعها إلى من يودهم لأنها سبب للفيض وهم رضي الله تعالى عنهم أبوابه وفي قوله صلى الله عليه وسلم : « أنا مدنية العلم وعلي بابها » رمز إلى ذلك فافهم الإشارة.
قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ). قال في الكشاف : والقربى مصدر كالزلفى والبشرى بمعنى القرابة ، والمراد : في أهل القربى . وروي انها لما نزلت قيل : يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين أوجبت علينا مودتهم ؟ قال : " علي وفاطمة وابناهما "
إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) * . قال محمد بن إسماعيل الجعفي البخاري في صحيحه في باب يزفون النسلان في المشي ، عند ذكر جماعة من الأنبياء عليهم السلام قبل ذكر مناقب قريش : حدثنا قيس بن حفص وموسى بن إسماعيل ، قالا : حدثنا عبد الواحد بن زياد ، قال : حدثنا أبو قرة مسلم بن سالم الهمداني ، قال حدثني عبد الله بن عيسى ، سمع عبد الرحمان بن أبي ليلى قال : لقيني كعب بن عجرة فقال : ألا أهدي إليك هدية سمعناها من النبي صلى الله عليه وآله ؟ ! فقلت : بلى فاهدها . فقال : سألنا رسول الله صلى الله عليه وآله فقلنا : يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت ؟ فإن الله تعالى قد علمنا كيف نسلم عليكم ، قال : " قولوا : اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم انك حميد مجيد ، اللهم بارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم انك حميد مجيد ".
قال السيوطي في تفسيره : وأخرج ابن مردويه ، عن ابن عباس في قوله : ( اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) . قال : مع علي ابن أبي طالب .
قال الزمخشري في كتابه ربيع الأبرار : افتخر العباس بن عبد المطلب ، وطلحة بن شيبة ، وعلي بن أبي طالب ، فقال العباس : أنا صاحب السقاية والقائم عليها . وقال طلحة : أنا صاحب البيت ومعي مفتاحه . وقال علي : " ما أدري ما تقولون ، أنا صليت إلى هذه القبلة قبلكما وقبل الناس أجمعين لستة أشهر " ، فنزلت " أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله ".
ل عز وجل : ( صراط الذين أنعمت عليهم ) . ذكر البغوي في تفسيره انهم الأنبياء ، ثم قال : وقال أبو العالية : هم آل رسول الله صلى الله عليه وآله .
وله تعالى : ( وقفوهم إنهم مسؤولون ) ، اخرج الديلمي ، عن أبي سعيد الخدري : ان النبي صلى الله عليه وآله قال : ( وقفوهم إنهم مسؤولون ) عن ولاية علي . ثم ذكر أنه قال الواحدي : وروي في قوله تعالى : ( وقفوهم إنهم مسؤولون ) ، أي : عن ولاية علي وأهل البيت .
لقوله تعالى : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ) ، أخرج الحافظ جمال الدين الذرندي ، عن ابن عباس : إن هذه الآية لما نزلت قال صلى الله عليه وآله لعلي : " هو أنت وشيعتك ، تأتي يوم القيامة أنت وشيعتك راضين مرضيين ، ويأتي عدوك غضابا مقمحين " . انتهى .
قال ابن حجر في الصواعق : الآية الخامسة قوله تعالى : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) ، أخرج الثعلبي في تفسيرها عن جعفر الصادق عليه السلام أنه قال : " نحن حبل الله الذي قال فيه : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) .
* * *
فهذا مثال مما نزل دالا دلالة صريحة جلية على فضلهم ومكانتهم. وهو مما لا يحصى يضيق عن اسقصاءه المقام . فاكتفينا بباقات حتى أن كل ما ورد من تلك الفضائل لها طرق كثيرة . وهذا طبيعي لما ندرك ما قيل، والقول لابن عباس:" ما أنزل الله تعالى في القرآن آية إلا وعلي بن أبي طالب رأسها وأميرها". كما في رواية مجاهد أيضا وقد أورده ابن الجوزي في تذكرة الخواص وأحمد في المسند وآخرون . والذي هذا حاله أميرا لكل آية امتدح فيها المؤمنون، ألا يكون له الفضل على سائر الأغيار ، وهو قد كان كذلك في الفضل مع أئمة اهل البيت من بعده لآية التطهير المخصصة بحديث الكساء: محمد وعلي والحسنين والزهراء كأنهما بيت واحد في الفضل والشأنية والتميز الذي به استحقوا الصلاة عليهم لا يفكك بينها والصلاة على محمد إلا مسرف مخالف لما عليه صيغتها السنية كما في الصلاة الابراهيمية أو كما قال عنها (ص): " لا تصلوا علي الصلاة البتراء، قيل وما هي الصلاة البتراء يارسول الله، قال: أن يقول أحدكم : اللهم صل على محمد... ولكن فليقل: اللهم صل على محمد وآل محمد" أو كما قال. ولا أدل على ذلك ما ورد فيما نزل في علي بن أبي طالب حسب ما جاء في أخبار السنة قبل الشيعة. فإن لم يلفت انتباهك إلى هذا الفضل والتميز ما جاء في أخبار الإمامية فإني أذكرك بما أورده محدثون حفاظ من أهل السنة. انظر ما نزل فيهم مما أورده جماعة المفسرين. وانظر ابن حجر وما ذكره فيما نزل فيهم أيضا في صواعقه المحرقة وانظر إلى تذكرة الخواص للحافظ ابن الجوزي السبط، حيث ذكر الآيات النازلة في شأن علي بن أبي طالب فعدد منها 14 آية. ليس حصرا وإنما كما ذكر في مفتتح الكتاب أنه سيذكر ما ثبت واشتهر من فضائله.
هذا جانب ما يشير إلى فضلهم في القرآن ، ويمنع من أن يعتبروا في فضلهم وعلمهم كغيرهم لمحل الاصطفاء والتطهير. وأذكرك أنني أتحدث عن أئمة أهل البيت الذين ثبتت في حقهم هذه الميزات، لذا لا نخرج عن الموضوع لا سيما لما قلت:" وانما أعتقد انهم او بعضهم كانوا مجتهدين كبقية المجتهدين، يخطئون ويصيبون، وأعطي لنفس الحق بنقدهم والنظر في أقوالهم أو الأقوال المنسوبة اليهم ورفض ما يخالف القرآن والعقل السليم ".. لأننا لا نقول بالعموم. وقد ثبت لخواصهم أي الأئمة المعنيين بذلك أنهم أفضل الناس في زمانهم علما وأخلاقا ، احتاج الناس إلى علمهم ولم يحتاجوا إليهم في شيء. وبالنتيجة ، فلا أعلميتهم وشأنيتهم تخالف القرآن ولا شهادة الأصحاب والأباعد ولا العقل السليم الذي نظر في آثارهم وجهادهم وتعاليمهم بعين الفحص والاعتراف يأبى ذلك.
هذا من القرآن جليا فإن شئت فصلت أكثر في عرض مزيد. وهو يدفع قولك أن أهل البيت ليس لهم ما يميزهم عن غيرهم من العلماء بل إنك تعطي نفسك الحق في النظر في أقوالهم. وأنت بهذا قلت ما لم يقل به أهل السنة . ووقروهم واعترفوا بفضلهم أكثر مما تفعل. فهذه مخالفتك الأولى لصريح القرآن.
يتبع ....
hani_dayman@yahoo.fr