الفصل الثاني
" حبيبتي ماري .. أعلم جيدا أنك لن تتعرفي علي بسهولة لأنني طلبت من إحدى صديقاتي أن تكتب لي هذه الرسالة بخط يدها .. وكل ما أود أن أقوله لك هو أنني مغرم بك وأحبك حبا لا يمكنك تصوره .. و أريد الزواج بك والعيش معك وشرطي الأول أن تتوقفي عن تدريس الأولاد لأنني أغار عليك منهم وأفضل أن يكون كل تلامذتك من البنات "
- زعما إنتينا آ صحبي ماشي غير مكلخ ..؟؟ امكلخ وحمار بودنين طوال.. شنو غدي تعمل إلى عاقت بالرسالة .. وعرفات بلي انتينا لي كتبتيها..
- علاش آ نمي..؟ ما تخسرشي الهضرة آ العربي الله يرضي عليك ولا ماش نخسر معاك.. راني ماشي أنا لي كتبتها .. الخط ماشي ديالي
- واش آ البغل , الأستاذة كبر منك بست سنين وباغ تتزوج بها .. وانت حتى الـ.... بحال الرجال ما عندك .. باش باغي تتزوج ..؟ باقي حتى اللحية ما فوجهك ..
- سمع آ القمقوم .. الرجال ماشي باللحية .. علاش عمي الناقوس عندو شي لحية ؟ وشوف شحال من ولد عندو ؟!! 5 ديال البنات و4 د الرجال ؟!
- باينة فيك ما بغيشي تفهم .. آ بنادم هاذي فرانساويا وعمرها 21 عاما وكتحمق بالزين وأنتينا مجرد تلميذ عندها .. شوف غير حالتك .. عمرك 15 عاما ما كاملاش .. باقي باك كيصرف عليك .. واش كيسحابلك غير آجي وتجوج..
- ولكن أنا كنحبها آ خاي العربي .. كانموت عليها .. ملي كنشوفا قلبي كيدق
- وظاهرة ماشي تجيبها فراسك .. والله وشكات بيك للحارس العام حتى يسلخ يماك.
- ما تقولش يما .. آ بنادم .. ما تشوفنيشي ساكت ليك وتزيد فيه
- عرفتي .. تفرق مني .. خطيني عليك .. معاك غير المشاكل
- واخا .. عقل فيها .. ها هو خاطيك .. غير عقل على هاذ الهضرة ..
نزل كلام العربي علي كالماء البارد وأفقدني كل أمل في الفوز بقلب أستاذة العلوم الطبيعية .
كان اسمها ماري .. جاءت للمغرب ضمن بعثة المعلمين والأساتذة الفرنسيين لتدريس مادة العلوم الطبيعية , وهي من المواد التي كنت أحس بالإكتئاب كلما فتحت الكتاب لمراجعتها.. لكن ماري كانت آية في الجمال, عيون كبيرة تشع منها زرقة ساحرة وشعر أسود داكن ووجه نحيف يتوسطه أنف صغير ومن تحته.. كنت أعشق ابتسامتها .. وكنت على يقين أنها تبتسم لي وحدي , ولم تكن عيني تفارقها كنت أقضي الحصة مشدوها اتابع حركاتها وانغمس في وهم حبها..
اذكر يوما أنني وقفت في منتصف الحصة ( حصة الدرس ) وتوجهت نحو مكتبها الذي كان يقع في أسفل المختبر حيث كنا نتلقى المبادئ الأولى للعلوم الطبيعية :
- مادموازيل ماري
- نعم .. محمد سعيد .. ماذا تريد يا عزيزي
- ...... أنا ...
" قالت عزيزي .. هذا يكفي لا تكن حمارا .. لا تحرجها .. يجب أن تختار الوقت المناسب لكي تعبر لها عن حبك .. ماذا تريد أكثر ..؟؟ قالت لك عزيزي Mon cher هل تريد منا أن تخطبك من أبيك .. "
- تكلم يا محمد سعيد لماذا نهضت من مقعدك ؟ ما بك ؟
- لا .. لا شيء ..فقط أحببت ان ..
- أحببت ماذا ؟
- لا .. لا شيء .. نسيت .. نسيت
- طيب عد لمكانك ودعنا نكمل الدرس
- حاضر ..
" لماذا غيرت من لهجتها .. لقد كانت حنونة في البداية .. أرأيت ؟ لقد كدت تفضحها أمام التلاميذ .. إنها تحبك .. لكن لا تتعجل "
- والله العظيم .ز حتى قالتلي عزيزي ..
- ى بنادم .. آ الكلاخ .. الفرانساويين كيقول عزيزي Mon chaer للناس كاملين
- ولا آ صحبي قالتها وهي كتنهد ..
- وباينة .. عرفتي شنو ماش يجيك مزيان .. خطيني عليك .. مرضتيني آ صحبي ..
عدت ذلك اليوم للبيت لوحدي فقد خاصمني العربي وقاطعني محتجا على قصة عشقي للستاذة ماري .. دخلت حي كاساباراطا قادما من المدرسة الثانوية .. لم أتوقف كعادتي لمتابعة مقابلات فرق الأحياء في كرة القدم , كما لم يشدني الجوع لدخول السوق والبحث ما أسد به رمقي .. كنت أمشي سارحا أفكر في حبيبتي ومعشوقتي ماري .. اتخيل نفسي تارة وأنا في شرفة بيتنا وهي بجانبي .. كنت أفكر في أسهل الطرق لمصارحتها بحبي.
توقفت لوهلة قصيرة وبدأت أتدرب على ترديد العبارات التي ستكون مفتاح قلب حبيبتي .. طبعا كنت على يقين أن الرسالة التي تركتها في نافدة سيارتها اليوم ستسهل علي الأمر كثيرا.
دخلت البيت بهدوء غير عادي وتسللت لغرفة الزوار فوضعت كتبي على طاولة صغيرة كانت تقبع في ركن الغرفة ثم استلقيت لأنال قسطا من الراحة
- لا مزيان تبارك الله .. حنا كنقطعو جنابنا على هاذ الزبية ونتا كتدخل بالسبرديلا .. نوض حيدها من رجلك ..
- تفرقي مني .. بعدو مني .. كرهت العيشة معاكم فهاذ الدار
- إيوا يا الله .. سير شوفليك شي دار ما أحسن
- مصاب .. والله ما كرهت .. كننتشهى غير نكون بوحدي شي نهار
- إيوا ملي تعمل دارك كون بوحدك ..
حوارات .. ونقاش .. وملاسنات .. وسوداء كانت حولي الأشياء والكلمات .. قلب ينبض بدقات متسارعة وخوف دفين من شيء أجهله ولا أتحمل قسوته وفقر يحاصر كينونتي المتلعثمة , من تكون هذه المرأة ..؟ أليست مثل كل النساء .. ما الذي غير أمري من أمس طليق إلى حاضر مكبل ..؟ وما هذه الشهوة العارمة الممزوجة بالعطب .. ؟!!
أكلمها فتجيبني بحنو وكأنني طفل أسترزق عطفها .. أقترب منها فتتراجع خطوات حذرا إلى الوراء .. لم أطلب منها قط شيئا إلا وتفانت في تلبيته .. لكنني لم أطلب منها أي شيء يخرج عن حدود مهنتها كاستاذة.
استوطنت أعماقي واستولت على كل خبايا سويعاتي مع نفسي, وبت لا أفكر في أمر غيرها .. هل هو الحب .؟؟ ذلك الذي أسقط ابي وجدي في غياهب بئر النساء فسكرا من معينه حتى الثمالة ..
- طبعا .. اتزعطتي فالنصرانيا آ مسخوط الوالدين .. وهادشي وراك باقي ما شفتي والو .. والله يا والديك حتى يطول ويعجبك
- علاش آ خاي العربي .. ؟ شنو كاين ..؟ شنو وقع ..؟ الناس كاملين كيحبو .. واش ما تقراشي الروايات ما كاتشوفشي الأفلام ..؟ فاين عايش انتينا ؟
- الناس كاملين كيحبو بصح ؟ علاش حنا ناس ؟!! الناس عندوم الصبابط وحنا صبعان رجلينا خارجين للهواء الطلق !! الناس واكلين اللحم والبفتيك وحنا فارعا مصارنا والدينا اللوبيا والبيصارا والعدس .. شوف ولاد النصارى .. واحد فرانساوي عمرو 15 عاما وجهو منور وجيبو عامر والدنبا عاطياه .. وشوف كمامرنا حنا .. قاهرانا غير الخلعة .. الخلعة من الواليد والعصا , الخلعة من المرود والبوليس , الخلعة من الحارس العام , الخلعة من الإمتحانات , الخلعة من كلشي.. ومشي تنبك إلى جبرتي فين .. أنا بعد بــــيخير مع لطيفة .. مغربية بحالها بحالي .. كنراجعو شويا وكنضحكو شويا .. المهم كيما كاتقول الواليدا لبس قدك يواتيك
- ودابا انتينا كتشفا فيا ياك ..؟ أنا كنحب مدموازيل ماري .. وغدا .. غنهضر معاها بصراحة
- إيوا ربي عوين آ الراجل .. ما تنساشي تلبس ديك أديداس وداك الجيز الجديد .. وشي قميجا فارعا وطلق دوك الشعورات .. ( متهكما ) وشوف غير وجهة عامر حبوب بحال الكسكاس
- هدا حب الشباب آ البغل .. كيجي مع البلوغ ..
- والحزقة حتى هي مع البلوغ .. سمع آ خاي سعيد . لي فحالنا حنا خاصهوم يموتو ويعاودو يخلقو فهولاندا ولا فالنرويج
- علاش شعاندا طنجة .. عروس المتوسط.. لالات البلدان
- إيوا تزوج لالاك طنجة وولد منها تطوان والعرايش ... آ والله المروكي ما يبقى غير مروكي .. والحازق ما يبقى غير حازق ..
- أنا طنجاوي .. وراضي بها .. والله ومت ورجعوني للدنيا حتى نطلب نخلق فطنجة .. واش نتينا بعقلك آ بنادم .. والنصرانيا ماش نطيحها باش ما كان
- مزيان .. عندك غير تطيح الملة ديماك فشي حفرة . هادشي باش طنجاوة عمروم م غيطفروه .. أحسن واحد فيكم كيحلم بنصرانيا .. شعاوندوم المغربيات..؟؟ ولكن الله كيعطي الفول لي ما عندو سنان
العربي .. هذا اليافع النابع من عمق الحقيقة , المستنسخ من عبق التراب الصامد في وجه الأمواج , المتآكلة أحلامه والمتساقطة أوراق ربيعة الذابل .. يرفض ويرفس ويلعن كل حلم لا يستوي ومحصول المنطق في حسابه ..
كان يكبرني بقليل لكنه يتمنطق بحزام القناعة ويسيج نفسه بأسلاك الرفض النابع من الأعماق.. العربي صديق ترك في ذاكرتي بصمة واحدة .. .. بكلمات قليلة ..
كن أنت فقط وإلا فلن تكون
وبعنف سلطوي لم أختبر له مثيلا .. وقف أمامي وانا أعانده بشأن هذا الحب الطوبوي .. وبقسوة جامحة شدني من ذراعي وحملق في عيناي وكانه يرصد يعضا من عقل لم يشرد أو بقايا سمع لم يصبه الصمم
- سمع آ خاي سعيد والله العظيم راك غير كتحلم .. شفتي النصرانيا دائما غدي تحتقرك وخا تكون كتموت عليك .. حيت هي عندها وانت ما عندك والو .. حيت هي أستاذة وانتينا باقي تلميذ .. حيت هي فرانساويا وانت مغربي ..حيت هي بنادم وانت غير خوروطو
- انت لي خوروطو .. علاش ما تقولشي .. أنا رسام وهي غير أستاذة ..؟ واش نسيتي كل مرة كتحب ترسم شي حاجة فالسبورة كتنوضني أنا ..؟ علا ش ما تقولشي أنا مغربي وهي غير فرانساوية ..؟ علاش آ صاحبي كيعجبك تطيح من ولاد بلادك.. شوف آ العربي نتينا بحال خاي ولكن فيك واحد الحاجة مقودة .. ما عندك طموح
- سمعني مزيان .. سير تــــ...... انت والطموح ديالك
ترك زملائي الفصل فتعمدت أن أتأخر في جمع أدواتي وأنا اراقب حركاتها .. كانت منهمكة في تصحيح بعض الدفاتير, لعلها لم تنتبه .. كنت أتحاشى إشعارها بوجودي وأنا أتستر وراء المنضاضات الرخامية العالية .. وقع نظري على جسم آدمي من البلاستيك وقد برزت بداخله الرئتين والقلب .. تعمدت أن أحمل القلب البلاستيكي بيدي وبذهني الف عبارة لم تكتمل
- مدموازيل ماري
- نعم يا محمد سعيد .. هل ما زلت هنا ؟
- نعم .. اريد أن أسألك
- طبعا .. طبعا .. تفضل يا عزيزي بكل سرور
- هل يمكن أن ...؟؟
- هل يمكن ماذا .. ؟؟!!
- هل أنت ....؟
- هل أنا ماذا ؟ !!! تكلم ؟!!
- هل بمكن للإنسان أن يحب بدون خوف .. ؟
- طبعا .. الحب عدو الخوف يا محمد سعيد
- لا أدري ماذا أقول ..
- لا أفهم .. إسمع.. لدي عمل كثير كما ترى .. ارجوك إسأل بسرعة
- هل تقبلين أن تكوني حبيبتي
- quoi ?!!
- أنا أحبك .. وأريد الزواج بك .. وصورتك لا تفارقني..أراك ليل نهار .. إنك حبيبتي ..
اقتربت من مكتبها قليلا .. ووضعت يدي على يدها .. حاولت الإقتراب أكثر لتقبيلها .. ولم أكد أكمل حركتي المجنونة هاته حتى أحسست بصفعة على وجهي .. مرفوقة بصراخ وصياح وقد جن جنونها .. كانت ترتعش وقد احمر وجهها وجحظت عيناها وهي تطلب النجدة .. حاولت اسكاتها فكان صراخها يزداد ارتفاعا .. دخلت للمكتب المجاور للمختبر وأقفلت الباب وهي تصرخ طلبا للنجدة .. ولم تمضي سوى ثواني حتى سمعت وقع أقدام مسرعة في الممر المؤدي للمختبر .. وما أن اخرجت رأسي من باب الفصل حتى لمحت عيناي الحارس العام وأعوان المدرسة وهم يتجهون نحو .. فضلت العودة للقسم والقفز من النافذة نحو حديقة المدرسة .. جربت الهروب .. لكن الباب كان مقفلا .. فعدت للساحة وأنا اراوغ بكل ما أوتيت من حنكة في هذا الفن .. لكن دون جدوى , فقد انتهى بي المطاف مكتوف اليدين والرجلين مستسلما لفلقة على يد الحارس العام الذي كان يؤدي واجباته السادية بكل تفاني واتقان .. وبعدها دعوة مستعجلة لأبي .. الذي افتتح محاضرته بعبارة حملت كل معاني السخرية والفكاهة والاحتقار
- كتحب ؟؟ وباغي تجوج ..؟؟ ما كاين حتى موشكيل اليوم ماش نعمل ليماك عرس من داكشي الرفيع .. غير وجد راسك ..
عرس , عنف , ضرب , عقاب , حب , شهوة , سجن , مراهقة مشوهة ورجولة مبتورة .. أي جيل نحن ؟
جيل عاش بالصدفة .. في برزخ زمني قتل فيه إنسانيته ولم يدخر منه غير الذكريات ..
( يتبع )
للتواصل مع الكاتب :
info@elmuhajer.com
www.elmuhajer.com