قبل أن ينتهي الجنريك، يبدأ البرويتاج، في مشهد مضبب غامض، فم سيلتقط سيجارة، قدم في صندل، إبهام زرقاء عليها لصاقة تجعلها أشبه بعنق زجاجة ويسكي، يشعل الرجل السيجارة، نسمع صوت الولاعة تطوى كسكين، يزيد الدخان ضبابية اللقطة، يتجه الرجل إلى الباب، يفتحه فيتدفق الضوء ويكتسح المشهد، يشعر المتفرج بالارتياح لأنه تخلص من اختناق الحانة... في 40 ثانية الأولى من الفيلم، يتضح ما يفعله المخرج بالضوء.

يظهر الرجل يمشي، إنه بوبي لانغ بطل فيلم "A love song for Bobby Lang"، يقطع المدينة لنكتشف بؤس الحي الذي يعيش فيه، ثم يصل إلى المقبرة، ويجد فيها مراسيم دفن رفيقته لورين، حضر الجنازة صدفة؟ هذه تهمة وكأن المرأة لا تهمه، في كادر قوي ينظر مباشرة في المتفرج وتصبح ملامحه جادة ومشدودة، هكذا يتبدد الاتهام، خاصة وأن الراوي يخبرنها أن الزمن كان دائما ضد بوبي.
في هذه الرحلة، نتعرف على الأقصيين اللذين يعيش بينهما بوبي، دور يؤديه جون ترافولتا، ممثلي المفضل، الذي يقول عنه الناقد السينمائي الفرنسي فرونسوا تروفو إنه ممثل حديث - أي غير تقليدي- ومن الممتع أن يشاهد في أدائه (Truffaut Le plaisir des yeux p36).
فعلا فترافولتا مذهل، وهو في هذا الفيلم يقدم مثالا آخر على موهبته وجهده، إنه يعبر عن مشاعر مرهفة بملامحه التي تعبر بسلاسة من التحدي إلى الحيرة فالتعاطف والجدية لتمر إلى الفرح... يغير الرسالة التي تبعثها عينيه بسهولة، ينزلق في الدور ويتحرك فيه بسهولة كسمكة في الماء، حين يجسد الارتباك يبلع ريقه فترتفع تفاحة آدام وتنزل... حين يمشي ويعرج تجعل قامته المديدة عرجه موحيا، يمشي كأنه يزحف...
بعد الجنازة يتصل بوبي مرة أخرى ببورسلن، ابنة لورين، ويسخر من صديقه الذي يدخن ويقترب كل يوم من الموت، ليصنع جثة جميلة. تصل الإبنة ذات الثمانية عشر عاما فتجد بوبي وصديقه لاوسن، الذي يحلم أن يصبح كاتبا مشهورا و"الحلم – حسب استشهاد ببورخيس- هو الخلق الفني الأول للإنسان".
تدرك الشابة أن الإثنين كانا يستغلان أمها ويقيمان في منزلها وقد حولاه إلى مزبلة وتحاول طردهما لتبيع المنزل وتغادر... يرفضان بدعوى أن لهما نصيبا في المنزل، نصيب تأتى عن العيش المشترك وليس عبر الرابطة الدموية، لا تفهم هذا المنطق فتغادر حاملة بعض حاجيات أمها، في المطار تقرأ إهداء لبوبي على كتاب لأمها "صوتك مس روحي"، تتصفح الشابة الكتاب وتقرر العودة إلى المنزل الفوضوي... لأنه حسب جورج صاند، لا يمكن أن نقتلع صفحة من دفتر حياتنا. طبعا كل حدث عشناه يبقى في الدفتر.
تعود الشابة وتنام، تستريح، ثم تنهض لتكتشف العالم المحيط بها، بوبي يتسلم الكأس قبل أن يرفع رأسه من الوسادة، الجميع معجبون بلورين إلا هي... كلما اكتشفت حقيقة الناس الذين تحتقرهم، المهمشين المشردين السعداء لأنهم حصلوا على أكثر مما طلبوا، إلا وتغير موقفها، وجدتهم صادقين نبلاء راضين... وكلما قارنت الكاتب الذي تسكن معه ولا يتحرش بها حتى، إلا واحتقرت أكثر عشيقها السابق البذيء الذي لا يوجد كتاب واحد في بيته...
في رحلة اكتشافها لنمط حياة أمها، تعيد بورسلن، وهذا اسم زهرة برية ضارة، تعيد اكتشاف نفسها، فقد بدأت مراهقة مدللة بلا هدف، بلا جذور... وعدوانية مولعة بمشاهدة برامج الطبخ والعمليات الجراحية، في فورة غضب كسر بوبي التلفزة فانشغلت بورسلن بالمطالعة لأول مرة في حياتها... ثم بدأت تتعلم من جديد وتكتشف غنى عالم الكتب، فيعمل بوبي ولاوسن على تثقيفها... يحرضانها "لمَ نعيش إن لم يكن لنتعلم؟" وينصحها بوبي باتباع منهج سقراط... تسمع أغنية لأمها لأول مرة في حياتها فتنطلق إلى جامعة عريقة، لأن بوبي يرفض أن يراها تتجه لمعهد لا يليق بثقافتها.
يتغير موقف الشابة من بوبي، الديداكتيكي الماهر، الذي يشرب ويتحدث باطمئنان عن اهتمام الله بمصيره، يحكي حكايات جميلة، يستشهد في كل حوار بشاعر، يحلم أن يكون مصدر إلهام للآخرين، يعتبر نفسه أكبر من إكراهات الحياة، يفعل ما يريد، يحبه الطلبة ويكرهه الأساتذة لأنه تجاوزهم وقد كسر ابن أخ العميد وجنته، صار عازفا وشاعرا جوالا يرفض أن تحكم شابة متبرجزة على حياته... ومع ذلك يقوم بنقد ذاتي، حين اكتشف أنه مع شيخوخته، تنامى لديه حس لا إنساني.
هذه بورتريه داخلي، بورتريه بالصوت والصورة، صورة مغسولة ومنقاة من المواد الخام، بورتريه يظهر أروع ما في الإنسان: الحب والمعرفة. بورتريه يجد امتداده في أمنية الشابة، تتمنى أن تعمل بقسم التصوير بالأشعة في مستشفى لترى العظام، لترى بورتريه الإنسان من الداخل.
هذا ما يقدمه الفيلم: بورتريهات حية. أخذت عن قصة "off magazine street" للكاتب "Ronald Everett Capps"، بينما النص السينمائي والإخراج لـ Shainee Gabel.
لن نقف هنا عند تماسك الحبكة ورسم تفاصيل الشخصيات، فهذه أمور متقنة حتى أن يصعب ملاحظة الجهد الذي بذل فيها، كمثال، التحول الذي حصل في الدقيقة 70 من الفيلم الذي يمتد ساعتين، حين تدخل بوبي في الحانة مذكرا لاوسن بحبه القديم فتقطع النادلة علاقتها به، وبذلك كنس الطريق بين بورسلن والكاتب الشاب، التحول الثاني هو عندما تبول بوبي دما بكى مرسلا تحذيرا للمدمنين، ومن تلك اللحظة، حصل تحول ثالث، بدأت الشابة تتعاطف مع بوبي وتقترب منه اكثر، وتصغي إليه لتتابع دراستها... بعد المصالحة جاء مشهد المطر ليغسل الجو والمشاعر، يصفيها لتحلو الحياة ويتعمق التواصل بين الثلاثة...
سنركز على مرور الزمن والكادرات في هذه التحفة الفنية التي أداها ترافولتا. كان "الزمن" هو أول كلمة نطقها الراوي في الفيلم، ويتم تسجيل مرور الزمن بصريا وليس شفويا (وبعد عام)، يظهر ذلك في تطور علاقات الشخصيات، حين يبكي بوبي، فليس لأنه تبول دما، بل خوفا من أن يتركه لاوسن مستقبلا، يخشى أن يموت وحيدا وأن يمزق الكاتب سيرته، يحسب حياته باللحظة، يقدم لحظات فرح طفولية حتى أني أصرخ وأنا أشاهدها... يردد مع روبير فروست "كثافة لحظات السعادة تعوض قصَر مدتها" ومع موليير "لا نعيش إلا مرة واحدة، بينما نموت إلى الأبد"... كانت لحظة العيش الأقوى في الفيلم بعد خصام بين بوبي ولاوسن، يحرق هذا ما كتبه ورقة ورقة، تأتيه بورسلن، يتحدثان وهو يبكي بصدقية هائلة، يطلب منها أن تغادر لتنام، تتغير زاوية اللقطة إلى كادر (بلونجي، من فوق)، تستلقي بجانبه، تستسلم، يستلقي بجانبها في لحظة في توحد، تلتقط يده وتتوسدها وينامان، يدخل بوبي، يلتقط ما تبقى من السيرة ويتأبطها بعناية... في اللقطة الموالية مورسلين تحضر الفطور للكاتب النائم... بعد التصالح يأتي مشهد المطر ليغسل الأحزان، تشعل الشابة السيجارة بين الرجلين، صارت منهم، يشعل بوبي من ولاعته، بينما تشعل بورسلن ولاوسن من ولاعة واحدة، ها هو المشترك يتأسس بصريا... يعلق لاوسن من الجيد أن تتذكر، لكن للحظات فقط. لأن الأساسي هو أن تعيش، وهذا منطق بوبي.

يمر الزمن بفضل تطور الأحداث، لذا تعطي الكادرات إحساسا بالتقدم، كادرات قصيرة، في حدود أربع ثواني، وقد بدأ الفيلم بعشر كادرات في 49 ثانية، تتناوب بشكل ملائم، كادرات كبيرة جدا (TGP) لأعضاء وجه ترافولتا، كادرات كبيرة(GP)، كادرات امريكية (PA)، كادر عام (PG) كادر للمجموع (PE)... كادرات كافية ومشحونة بمرور الزمن، لذا ليس هناك رتابة ووقت ميت... خاصة وأن المعلومات عن لورين تقدم موزعة بالتقسيط عبر ساعتين من الفيلم، وتقدم المعلومة في اللحظة التي ستخدم فيها تقدم الأحداث. ويترافق هذا التقدم مع موسيقى ناعمة تشتغل في كواليس المشاهد، وفي لا وعي المتفرج، بدء من جناس عنوان الفيلم.
بفضل وضوح هذه العناصر ودقتها، جرى تحويلها إلى مادة بصرية، وقد تحقق ذلك بفضل جهد مدهش في تحديد زوايا أخذ اللقطات وفي اختيار أماكن التصوير ووضع الديكور، لنر:
1- لتعزيز فكرة حضور الثقافة في البيت، هناك كتب في كل مكان، في المطبخ وحتى في المرحاض، حيث فيوز، ومن فرط حبه للكتب يحلم بوبي أن يسكن في الجنة مع بايرون وساد وهمينغواي...
2- يروي بوبي حكايات في صالون بالهواء الطلق. يصور المخرج تجليات متابعة المستمعين للحكاية بتشويق، تجليات بصرية، يتمنى المتفرج لو كان ضمن الجالسين هناك في منخفض معشوشب، يعكس وضعهم الاجتماعي ويخفي سعادتهم بتماسك علاقاتهم. هنا يغني بوبي، عندما تصل مورسلين يخرج من حالة ويظهر كامل الاهتمام بالشخص الذي حضر، هذا الترحيب الذي يفتقده الناس في حياتهم يهز المتفرج. يعلمه أن يكون وديا مع محيطه...
3- تستلقي بورسلن على جذع الشجرة لتأخذ شكله، تتحرك فيفور النهدان إلى أعلى، الكادر الموالي للشابة بسروال الجنز تنحني على الثلاجة المفتوحة، يأتي لاوسن يلتفت ويقترب وكأنه سيلمس ثم يتناول عصيرا من باب الثلاجة وينصرف...
4- نرى بوبي، نصف الوجه مضاء والنصف الآخر مظلم ولا ينفر المتفرج من الشخصية، هذه كادرات تجعل الشخصية قريبة وحميمية...
5- تساهم مشاهد الطبيعة في بناء الكادرات والمشاهد، وليست مجرد ديكور خام، ديكور دال ذو وظيفة نفسية، يوظف في كادرات بعمق بصري هائل... المشهد الخلفي في كل كادر مذهل، غني، معبر، يحتار المتفرج هل سيتابع الحدث أم عمقه، حقيقة، كرهت دائما الأفلام التي يحاصر فيها المخرج الممثل بين الكاميرا والجدار.
هنا يجري التصوير قرب النهر والأشجار العملاقة، حيث تبحث الشابة عن جذورها، فجأة يـأتي صديقها القديم بوثيقة تثبت ملكيتها للبيت، إنه لها وحدها، طرد بوبي ولاوسن من البيت لصبغاه ليزداد ثمنه... في اللحظة التي تجمع أغراضها لترحل، تكتشف رسائل أمها، وتعرف الحقيقة التي يجهلها بوبي، إنها ابنته، تقصده يعزف ويغني قرب النهر، يعيش كل لحظة من عمره... يتصالح مع ابنته على ضفة النهر، تحت الأشجار العملاقة، وجذورها ضاربة في الماء والتربة... كان مشهد جذور الأشجار البارزة فوق التراب دالا..في حكاية مدهشة تروى بالصور... يعد فيها بوبي الشابة بأن يحكي لها عن طفولتها، عن جذورها... وقد قرر أن يحلق ذقنه ويلبس البذلة والحذاء لأول مرة لكي لا تخجل منه ابنته، يمشط شعر لاوسن بأنامله ليعجبها... لقد غيرتهما الوردة البرية: بورسلن.
حينها يستشهد بوبي بشعر ت س إليوت:
"ليست الحياة إلا رحلة استكشاف طويلة، وعندما نستكشف كل شيء، حينها نعود إلى جذورنا".
هذا فيلم يربي الذوق، يغني الوجدان ويحرض على المطالعة.
هذا جمال مذهل، لا يجب أن يحجب حاجة الوطن لسينما راقية، ولكن أسابيع قليلة قبل مهرجان مراكش الدولي، والذي سيكون حضور السينما المغربية فيه باهتا، يطرح السؤال جارحا:
متى وكيف سيكون لنا مخرجون يبحثون عن الحقيقة، يفهمون مجتمعهم بهذا العمق ويحبون الحياة بهذه القوة ويصورونها بهذه المهارة؟
bnzz@hotmail.com