لا يُمكن أن نصف قرار حجز ومنع جريدة "أخبار اليوم" سوى بأنه خطير جدا، فلأول مرة يتم القفز على بنود القانون، على علاته، ليُصار بلا أدنى تحفظ، إلى استعمال القوة في قتل منبر إعلامي.. وهو تصرف كما ترون، يشي أننا نعيش حالة استثناء غير مُعلنة، بالرغم من أنها سافرة.
إن قرار منع جريدة، أو حجز أحد أعدادها، ينسبه القانون للوزير الأول، ووزير الداخلية، لكن ذلك مشروط باستصدار قرار قضائي استعجالي.. وهو ما معناه، كما قال لنا أحد أساتذة القانون، أنه كان مُمكنا إيقاظ قاض في أية ساعة متأخرة من الليل، ليُدبج قرار المنع أو الحجز.. غير أن ردة الفعل الأولى، للدولة كانت هي وضع هذه الإعتبارات الشكلية، في أدنى درجات الإعتبار، وبالتالي فإن أكبر صفعة وُجِّهت في قضية المنع والحجز التعسفيين، لجريدة "أخبار اليوم" كانت هي تلك التي تلقاها القانون وجهاز القضاء في هذا البلد، ناهيك عن "صفعة" تجاوز الصلاحيات التنفيذية للوزير الأول، واختصارها في استعمال قوة بوليسية لإقفال مقر الجريدة، ومُصادرة أرشيفها، وحجز عددين منها. ومن الطريف بهذا الصدد أن صحافيا من الزميلة "الجريدة الأولى" اتصل في أحد الأيام القليلة الماضية، بالوزير الأول "عباس الفاسي" ليسأله عن قضية منع "أخبار اليوم" ليُجيبه: "والله لا أعرف شيئا عن هذه القضية".. تصوروا حجم الفضيحة.. مسؤول الدولة التنفيذي، من درجة وزير أول، لا علم له بإجراء من صميم اختصاصه. مَن المسؤول إذن؟ هل هو وزير الداخلية الذي أمر البوليس بالتحرك لتنفيذ المنع والحجز؟ يصعب التسليم بذلك، باعتبار أن قرارا خطيرا من هذا القبيل، لا يُمكن أن نعزوه لجهة تنفيذية، ليس بمقدورها أن تُقدم أو تُؤخر، دون ضوء أخضر شديد الوضوح. وبما أن "عباس الفاسي" لا علم له بما يقع في البلد، فلن يبقى أمامنا سوى القصر. فهل الملك محمد السادس، هو مَن أعطى أمر منع وإيقاف "أخبار اليوم" والحجز على حسابها البنكي؟ دارت الألسنة كثيرا في الأفواه.
الصحافة الأجنبية، ذهبت رأسا إلى الجواب، فصحيفة الباييس الإسبانية، مثلا، عنونت افتتاحيتها ليوم الخميس ما قبل الماضي ب: "محمد السادس المانع".. أما لجنة حماية الصحافيين الأمريكية، فتوجهت مُباشرة إلى الملك، طالبة منه إيقاف قرارات منع وحجز الصحف، ومُلاحقة الصحافيين. لذا فإن كل اعتبارات "الإحتراز" الداخلية، لا تُفيد في شىء، اللهم فضح حالة الفصام التي يُراد لها أن تتأبد في هذا البلد.
وتتعقَّد المُشكلة أكثر، حينما نستحضر أن جهات نافذة في الدولة، تستفيد من إبقاء علاقة التوتر على أشدها بين القصر والصحافة، إنها الجهات نفسها، التي تسببت من خلال نوع التدبير الأرعن، لملفات حُقوقية وسياسية واقتصادية.. في وجود المغرب على لائحة دولية لمبحوث عنهم، في قضية اختطاف واغتيال القيادي اليساري الشهير "المهدي بنبركة".. قبل أن تتغلب المصلحة الإقتصادية الفرنسية في المغرب، ويُصار إلى إلغاء قرار القاضي الفرنسي "راماييل".. ولن يكون مُفاجئا غدا، أن تتم نفس أشكال مُلاحقة أُخرى دولية، لبعض النافذين في الدولة، لانتهاكات حقوقية، بنت عُشرية الحكم، التي أعقبت وفاة الحسن الثاني.
إننا نعيش في مغرب التدهور الحثيث، مُقارنة مع السنوات الماضية، حيث يجب الإعتراف مثلا، أن الوزير الأول السابق "عبد الرحمان اليوسفي" كانت لديه على الأقل الشجاعة لتحمل مسؤولية منع ثلاثة صحف هي "لوجورنال" و"الصحيفة" و "دومان" في دجنبر سنة 2000، وبذلك تم الحفاظ على ماء وجه الدولة، من خلال نسب القرارات لأهلها، بغض النظر عن تعسفيتها، في قمع حرية التعبير. أما ما يتم حاليا، فلا يُمكن وصفه سوى بولوج قانون الغاب، حيثُ لا وجود لأية اعتبارات قانونية و سياسية وأخلاقية، وهو ما يُصنفنا ضمن مُجتمعات اليوم، في أسفل درجات طفولة تنظيم الدولة.
وبدخولنا إلى هذا الدرك المُظلم، أصبح كل شيء مُمكنا.. يعتقد كاتب هذه السطور جازما، أننا "نتحرك" في مُحيط على درجة عالية من الخطورة، حيثُ تتحكم الأمزجة المُتعكرة، والنفوس المُضطربة، في الأذرع التنفيذية للدولة، وكما نقول نحن المغاربة: "ضربة الخائف تقتل".