حلقت ذقني حتى آخر زغبة، ارتديت قميصا أخضرا يزينه تمساح صغير أحمر على الصدر، مسحت محفظتي، لمعت حذائي وانطلقت إلى الثانوية لأنجز أول درس في حياتي، في الطريق، أسير قرب الجدران الظليلة لحماية بشرتي من الشمس التي صارت مؤذية، تقول جدتي "أشعة الشمس تغيرت"، لذا لا أخرج دون نظارات سوداء، مع كل خطوة أتساءل "ماذا سأقص على إخوتي الجدد طيلة ساعتين؟"، أخشى أن ينتهي الكلام ويحرجني الصمت...
وصلت الثانوية في العاشرة إلا خمس دقائق، شربت شايا أشدّ سوادا من القهوة في قاعة الأساتذة، توجهت إلى القاعة رقم ثلاثة عشر، هذا رقم سعدي، دخلت، مسحت السبورة، كتبت التاريخ وعنوان الدرس "قصة يوسف في القرآن الكريم"، نشرت الجذاذة على المكتب، تأكدت من المراحل، صفقت ليدخل التلاميذ، أثناء جلوسهم شعرت بقلبي ينبض بسرعة، أخشى أن ينعكس النبض الشديد على لون وجنتي، رفعت عيني من الجذاذة ومسحت الفصل بنظرة شاملة، قلت:
ـ السلام عليكم، أريد أن تستخدموا دفترا كبير الحجم، قسّموه إلى خمسة أقسام، خُمسين للنصوص الأدبية، خمس للدرس اللغوي، خمس للتعبير والإنشاء وخمس لدراسة الرواية.
ـ ماذا؟ أعد... كيف؟
هكذا انهمرت علي الأسئلة الجماعية، أحسست أني قد أربكت تلامذتي وسيطرت على الجو، بدأت أشرح وأنا أكتب الأعداد الكسرية في السبورة:
2/5+1/5+1/5+1/5=5/5.
- ماذا؟
- مثلا إذا كان الدفتر يتكون من مائتي صفحة، خصّص خُمُسين أي ثمانين صفحة للنصوص الأدبية وخمس أي...
لاحظت الدهشة في العيون، هذا درس أدب لا درس رياضيات، لكن الدهشة كانت مفيدة لخلق انطباع أولي في صالحي. استثمرت هذا الجو واستفتحت:
ـ سنطالع ونحلل سورة يوسف، من يرتل المقطع الأول؟
رفع أحد التلاميذ أصبعه وأدى ترتيلا مبهجا، عرفت لاحقا أنه حفظ القرآن في جامع قرية جبلية، رتل تلميذ ثان فبدأتُ طرح الأسئلة عن الأحداث والشخصيات ودوافعها... مع تغيير صيغة السؤال إذا بدا لي من عيون التلاميذ أن الصيغة غير مفهومة، أتلقى الأجوبة وأسجل أفضلها على السبورة، يمنح هذا الوضع فرصة للبعض للدردشة خلف ظهري، طلبت من التلاميذ نسخ الأجوبة في دفاترهم، فاجئوني وأربكوني بأسئلة كثيرة عن بعض الكلمات التي كتبتها، خطي غير واضح، منذ أن دخلت المدرسة والمعلمون ينصحونني "حسن خطك" دون جدوى.
تابعت الشرح، توفر لي عيون التلاميذ المنتبهين تغذية راجعة دائمة لأحسن عملي، وقفت أمام صف الوسط، لاحظت أني أحجب السبورة عن بعض التلاميذ، اقتربت من المكتب لأتمكن من استراق النظر إلى الجذاذة بين فينة وأخرى، أشخص العلاقات بين الأحداث وسمات الشخصيات وأطرح الأسئلة، حين لا أتلقى جوابا أعيد صياغة السؤال من جديد، يبدو أن التلاميذ قد تعودوا أسئلة تتضمن جوابها ولا تجبرهم على بذل جهد البحث، مثل أسئلة المسابقات الاختيارية بين ألف وباء وجيم.
أتلقى الأسئلة وأعزز كي لا يشعر المتحمسون للمشاركة بالإحباط:
ـ حسن جدا...جميل... جميل جدا...
أثناء الشرح، لا أنظر إلى أي تلميذ لأعطي الانطباع أني أخاطب الجميع دفعة واحدة، عندما يجف حلقي أطلب من أحد التلاميذ إعادة ترتيل الآيات لألتقط أنفاسي وأطل على الجذاذة...
حين أستريح أعاود طرح الأسئلة، وأطلب من صاحب أفضل جواب أن يقوم ليسجله على السبورة، ومنذ ذلك الحين لم ألمس الطباشير، لذا بقيت أصابعي ناعمة...
استغرق تحليل المقطع الأول من سورة يوسف ثلاث ساعات طرحت خلالها كل الأسئلة المسجلة في الجذاذة، لكن حين أعدت نفس الدرس مع تلاميذ فصل آخر، استغرقت ساعتين فقط لتحليل نفس المقطع. لكن لهذه الإعادة أرباح وخسائر، ففي المرة الأولى يتسم الدرس بالإبداع وطابع المفاجأة، وفي المرة الثانية أتخلص من لعنة الجذاذة، وأدمج بعض الأسئلة لربح الوقت... والأساسي أن التكرار يمكنني من تعديل أدائي وتحسينه.
هذه هي وقائع حصص الأسبوع الأول، وقد عملت لاحقا على معالجة الصعوبات التي واجهتها أثناء إعداد الجذاذات الموالية، وأهم صعوبة هي تطوير قدرتي على التوصيل البيداغوجي للأفكار، وقد توصلت إلى شرح كل فكرة عبر ثلاثة مراحل، أولا التعبير عن الفكرة على شكل جملة مركزة، وهذه للتلاميذ الأذكياء.
ثانيا إعادة صياغة نفس الفكرة بشكل مفصل للتلاميذ المتوسطين. ثالثا، تقديم مثال طريف من الحياة اليومية مع تطبيق الفكرة عليه. حين يضحك أحد التلاميذ من المثال التوضيحي أدرك أن الحرارة وصلته أخيرا، وأنه لم يفهم في المرحلتين السابقتين.
للمثال التوضيحي فوائد كثيرة، إنه يقرب الفكرة من ذهن المتلقي ويعْلق بالذاكرة، بل ويخلق جسرا بين محتوى الدرس والواقع الاجتماعي، وغالبا ما يخلق الضحك المترتب عن المثال جوا مناسبا للتواصل وللتعلم.
عندما أنهي حصصي أخصص بضع دقائق لأطلب من التلاميذ حكما وحكايات مرتبطة بالدرس، وأثناء ذلك أدور بين الصفوف ألقي نظرة على الدفاتر، أقارن كمّ ما شرحته بحجم ما سجله التلاميذ في الدفاتر، الفرق شاسع لأن التلاميذ لم يتعودوا على تسجيل رؤوس أقلام انطلاقا من الشرح، علي أن أملي أحيانا.
حين أنهيت قصة يوسف، أنجزت حصة تقويم لأختبر ما حصّله التلاميذ أولا وأختبر قدرتهم على توظيفه في واقعهم ثانيا.
بالنسبة لاختبار التحصيل طلبت من كل تلميذ أن يلخص أحداث السورة شفويا، بالنسبة لاختبار التوظيف، طرحت السؤال التالي:
ـ ما هي القضايا التي عرضتها سورة يوسف، وتجدها في حيكم؟
أجاب أحد التلاميذ:
ـ توجد عدة نساء مثل زليخة امرأة العزيز في حينا!
أضاف ثان:
ـ يوجد رجل مثل العزيز في حينا لم يغضب بعد أن بُلّغ أن جاره أكل فاكهة زليخة.
علق آخر:
ـ عاد الإخوة بقميص يوسف ملطخا بالدم، أكيد ألقوا يوسف عاريا في البئر!
سأل رابع:
ـ من أين جاء الإخوة بالدم الذي لطخوا به القميص؟
أجاب آخر:
ـ كانوا يرقصون مع الذئب ثم قتلوه!!
فسر سادس:
ـ الإخوة أشدّ شرا من الذئب.
تساءلت تلميذة وهي تشير إلى خطوط كفها:
ـ كيف يمكن للعراف أن يتنبأ بمستقبلنا من فحص جروح الأكف الناتجة عن سكاكين نسوة المدينة اللواتي قطّعن أيديهن مع التفاح وهن ذاهلات من جمال يوسف؟
لاحظ ثامن:
ـ العرافة تتنبأ بمستقبل الفاكهة التي سنحبها فقط.
تساءل آخر:
ـ هل أكلت النساء التفاح ملطخا بدمائهن؟
أوضح عاشر:
ـ لقد ورثنا جراح الإعجاب بالجمال!
اعترض آخر:
ـ جراح اليد والقلب لا تورث، لقد بتر أبي أصبعه في معمل نجارة، لكن أصابعي سليمة!
امتعض زميله:
ـ هذا مثال فقير.
لاحظت أخرى:
ـ جُرحت الكف التي قبضت الفاكهة فقط، ونحن لدينا الجراح في الكفين، لا يعقل أن تُجرح الكف التي قبضت السكين أيضا!
ـ حين جرحت النسوة فهمن مصيبة زليخة، من لم يذق الفاكهة لن يفهم.
ـ حين ذاقت حواء مدت يدها للتوت...
هكذا أنهيت تدريس أول نص، دون أن ينتهي تناسل الأسئلة حول دم القميص ودم الذئب ودم التفاح الذي يقطر على خدود العشاق كلما بهتوا أمام الجمال.
bnzz@hotmail.com