"للأمية أسباب يعرفها المتخصصون ويغفلها الساسة والصحفيون"
عبد الله العروي "من ديوان السياسة، ص: 60
الكاتب الصحفي ..غياب أم تغييب ؟
قبل خمس عشرة سنة كنت ومجموعة من الأصدقاء نقرأ أكبر عدد من الصحف المغربية بصرف النظر عن الخط التحريري والميولات السياسية، وحتى الإيديولوجية إن وجدت، وفي الأخير كنت –أنا شخصيا حتى لا أقحم أصدقائي في حكم شخصي قد يكون ظالما- لا أستفيد شيئا أفخر به سوى ركام من الأوراق يضيق به البيت، أخبار مكررة، وتقارير وحوارات "إخوانية" كلها مدح وتعظيم وتقديس مع اجترار مفاهيم إيديولوجية محنطة ليس لها أثر على واقع الحياة... أبتعد عن اهتمامات أصدقائي فأبتعد عن قراءة الصحافة، أو على الأصح أقلل منها فأعود للكتاب الذي أشتاقه وأحبذه وأرتاح له، أعود إلى الكتب التي تعنى بالتاريخ الثقافي والسياسي والمذهبي، وكثيرا ما أجلس مع صديقي الجاحظ فأضحك وأستفيد وأستمتع وأقتنع، وحين أشيعه، وأولي وجهي شطر دراسة السوسيولوجيا وقراءة بعض الأطروحات في التاريخ والأدب والاجتماع واللسانيات، كرة أخرى أحس أني أبتعد عن الواقع المعيش كما يركز عليه بعض القراء في هسبريس، فأعود عند الأصدقاء فنقرأ الصحافة ونتحاور حول مواضيع من هنا وهناك نعتبرها قضايا هامة، أو هكذا يبدو لنا. شخصيا أحس بنفس الإحساس السابق، فالصحفي ما عاد يقنعني في مقابل هذا أجد أن الثقافي هو ما يغريني ويجعلني أجدد وعيي وأقلب نظري مرات عديدة، شكوت أمري لكاتب صحفي مثقف وهو صديق عزيز، قال لي بأننا في المغرب نفتقر للكاتب الصحفي كما عليه الحال في المشرق، برأيي هذا نصف الجواب، نعم كما في المشرق على الأقل دون أن نقارن أنفسنا بالصحافة الأمريكية أو الأوربية، ولهذا لا عجب أن تجد أكثر الجرائد مقروئية بالمغرب تعتمد في صفحة الرأي على صحفيين مشارقة مثل أحمد منصور وعبد الباري عطوان وهويدي ...إلخ، أما الصحافة الأوربية فبيننا وبينها بون شاسع(قياس الخير)، فأن تقرأ مقالا واحدا في صحيفة بريطانية أو فرنسية أو أمريكية.. أحسن لك من قراءة كتاب كامل لأن الكاتب الصحفي عندهم متخصص في الموضوع الذي يكتب فيه فـ"روبير فيسك" يكتب عن فضايا الشرق الأوسط أحسن من أي كاتب عربي ابن المنطقة، فآخر كتاب ألفه عن المنطقة يتجاوز 1300 صفحة، أما في المغرب حين أثير ملف التشيع بالمغرب لم أجد مقالا أقرأه إلا مقالين للمفكر راشد الغنوشي في جريدة المساء!! هذا ليس تقليلا من شأن الصحافي المغربي طبعا، بل إننا نمتلك بالمغرب كتابا ولو أنهم يعدون على رؤوس أصابع اليد الواحدة، غير أن السبب برأيي هو تواطأ السياسي مع الصحافي في المغرب، فحين التحم الصحافي بالسياسي وأصبح يخدم أجندته ويحطب في حبله وابتعد عن الهم الثقافي وما يتطلبه من جهد للحفر عن المشترك الرئيس الذي يؤلف الجميع تحت مظلة واحدة، وابتعد عن مقدمات الخبر وتداعياته في الماضي الذي يستمر في الحاضر. بمعنى أن الصحفي أصبح يبحث عن الإجابات الجاهزة ويسوقها للناس بدل أن يبحث عن المسكوت عنه في الإنشاء المبني على مرجعية أو جذور رئيسة هي المتحكمة في الخبر. يمكن أن أذكر، هنا، بعض الأمثلة على سبيل المثال : ما الفرق بين حزبي العدالة والتنمية وحزب التراكتور"المعارضين"؟ ولماذا "نجح" بيد الله لقيادة الغرفة الثانية وهو "معارض" ضد مرشح الأغلبية الحكومية؟ ماذا يعني "صمصم بن قمقم " وهي العبارة التي نعت بها بنكيران فؤاد عالي الهمة؟ وماذا يعني بنكيران لما يقول : نحن حزب الملك؟ وماذا يعني شعار الأصالة والمعاصرة؟
شخصيا لم أعد أفهم .... أين توفيق بوعشرين؟ هل غاب أم تغيب؟؟
السؤال الثقافي
قلت أني وجدت نصف الجواب من صديقي الصحفي المغربي الذي اختصر المشكل، وذهب إلى أننا في المغرب لا نملك الكاتب الصحفي كما في المشرق، أما النصف الثاني من الجواب فقد وجدته يوم الاثنين 26-10-2009 . كنت أبحث عن الكتاب الأخير للدكتور محمد شقير فإذا بي أجد كتابا جديدا للمفكر المغربي عبد الله العروي بعنوان " من ديوان السياسة" المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 2009.
يذهب العروي في الصفحة الأولى من الكتاب إلى أن صحفيا مغربيا طلب منه أن يحاوره عن الوضع السياسي الراهن، عن الحكومة وأدائها، الأحزاب وبرامجها، اليسار وتشرذمه، اليمين ومستقبله، الإسلام ودوره في الحياة العامة، إلخ. وكان هذا الصحفي شابا، نبيها، مطلعا،كما وصفه، فتردد عبد الله العروي طويلا وأخيرا اعتذر لأن ما يعني الصحفي هو الجواب لا المرجعيات، الخلاصة لا المقدمات، ومن دون مقدمات هل يفهم الجواب؟ يتساءل العروي.
هذا الصحفي لا أظنه إلا توفيق بوعشرين، لأنه هو الذي كان يردد في جريدة "أخبار اليوم" رحمها الله، مقولة العروي أن عدو رجل السياسة هو المؤرخ، فالعروي يجيب عن السؤال الرئيس الذي تم بموجبه إعدام أخبار اليوم، ليس الجريدة كما يظن البعض، وإنما الشعار، والشعار على نوعين كما يذهب إلى ذلك ألفيي ربول: هناك الشعار الإشهاري الذي يخدم مصلحة الفرد، وهناك الشعار السياسي الذي يخدم الجميع، يتحدث البلاغي ورجل البيداغوجيا عن الدول الديمقراطية، أما دول التسلط فالشعار السياسي عندها هو في الأصل إشهاري فقط يراد منه خدمة الفرد وليس الجماعة/المجتمع!!
فما السب في ذلك ؟
يقول العروي : ماذا نقرأ اليوم في كل صحيفة ونسمع من كل منبر؟ الدعوة إلى محاربة الإرهاب. من يقوم بهذه الدعوة؟ حكام يشاع عنهم أنهم وظفوا ما نجم عن عمليات إرهابية من خوف عارم ليصلوا إلى الحكم ويستمروا فيه، يقال ذلك لأن الأمثلة التاريخية في هذا الباب لا تكاد تحصى من روبسبير إلى ستالين ومن هتلر إلى صدام حسين.
العنف يزرع الرعب والرعب يؤدي إلى الخضوع والانقياد. هناك علاقة عضوية، قائمة ودائمة، بين الخوف والاستبداد. ص: 12.
لولا خوف الحاكم لما كان قمع واستخبار وثأر. الأمير، أيا كان، يعد بالأمن وهو خائف، يدعو إلى القناعة وهو طامع. ينصح بالركون والمسكنة وهو طموح. يلوح بالوفرة وهو شحيح، ينوه بالوفاء وهو عاق مخلف.
إنه عامل الخوف.
منح الحسن الثاني يرحمه الله دستورا ثم ألغاه ثم عدله حتى لا يمس في شيء استئثاره بالمبادرة، بالأمر والمنع، بالعقد والحل، استمع باستمرار لنصيحة ميكيافيلي : إذا كان لا بد من الاختيار بين أن يحبك الشعب أو أن يهابك، اختر الهيبة على الحب لأنها أضمن لسلطانك. وحتى عندما تغيرت الأوضاع، خارجيا وداخليا، واضطر اضطرارا على مسلك الاعتدال، ظل وفيا لعقيدته. عدل الدستور مجددا مع أخذ كل الاحتياطات اللازمة حتى لا ينتقص من صلاحيته.
ألم يقل الكاتب الصحفي المخضرم محمد حسينين هيكل في مجلة "وجهات النظر" بأن الحسن الثاني قرأ ميكيافيلي أميرا وطبقه ملكا ؟
لقد سمعت من فم المهدي المنجرة عبارة رددها في أكثر من محاضرة، يقول المنجرة : إذ أردت أن تفهم الواقع المغربي فلابد لك أن تقرأ عن مخطط "ليوطي" بالمغرب !!
المخزن بأصوات متعددة !؟
لن أجيب عن سؤال ما هو المخزن بالطريقة الكلاسيكية العتيقة، لأن الكثير منا بات يتحدث عن المخزن بأسلوب قدحي بصرف النظر عن منشأ هذه الخطابات، لكن الغرابة تتبدى لما تجد الكثير منهم وهم المناضلون السياسيون والنقابيون يسلكون أساليب مخزنية في "محاربة" المخزن، ويكفي أن تعود لبعض المذكرات التي دونها بعض السياسيين المخضرمين، أو خطابات ما يسمى بالمجتمع المدني والسياسي لتجد أن المخزن يتكلم بأصوات متعددة، إنهم يحاربون المخزن ليحلوا محله، أو على الأقل ليقتصموا معه الكعكة، والنتيجة هي أن المخزن مستمر .
يبقى أن أقول في الأخير: إن الخطاب الإسلامي الذي يتلبس بالأصالة مرفوض خارجيا، وأن الخطاب اليساري المتسلح بالمعاصرة مرفوض داخليا، وبما أن الخارج يتحكم فيما هو داخلي فالنتيجة أن الخطابين كليهما مرفوضان. بمعنى أنه لم يتبق إلا حزب الأصالة والمعاصرة الذراع السياسية للمخزن الجديد، أو باختصار جديد: لم يبق إلا المخزن!!
فهل يستطيع الصحفي أن يواكب هذا التحول ويفضح الخطاب السياسوي المقيت في ظل وجود " صحافة معاشية" متواطئة مع كائن سياسي هلامي ليس له مشروع يميزه عن مشروع المخزن؟
هذا هو السؤال..... والإجابة عنه تقتضي أن يفك الصحفي تحالفه مع السياسي ويلتحم مع ما هو ثقافي.
والله أعلـــــــــم...
n.lechhab@gmail.com