تاريخ قصير غني بالعطاء
انتقل إلى رحمة الله الدكتور فريد الأنصاري وهو في أوج العطاء عن عمر لا يتجاوز 48 سنة، بعد عناء طويل مع مرض عضال ألم به اسمه داء "هشاشة العظام" وهو مرض وراثي كما قال لي أحد أصدقائه المقربين، خبر الموت أفجع محبيه من طلبته الذين تخرجوا على يديه في كلية الآداب في مكناس، وكذا خلانه الذين عايشوه في حقل الدعوة الإسلامية في فترة قصيرة طبعا، لكنها كانت غنية جدا بالعطاء والجد والاجتهاد، فالدكتور فريد يرحمه الله كان فريد عصره، اجتمع في شخصيته المثابرة الشاعر المتمكن من بلاغة القول الشعري، حيث زاوج في كتابة القصيدة الشعرية بالطريقة الكلاسيكية العمودية وكتب أيضا شعر التفعيلة، كما كان الروائي الذي أنتج نصوصا سردية أثمرت روايتين " آخر الفرسان" و " كشف المحجوب"، والرواية الأخيرة يمكن أن نغامر في القول بأنها سيرة ذاتية تتحدث عن شخصية المحجوب المحافظة والذي ينحدر من منطقة الجنوب المطبوعة بالفطرة السليمة كما هو معروف عن أهل المنطقة، ولما وصل إلى مدينة في شمال المغرب اصطدم بعالم موبوء بالنفاق والتملق والخداع والغدر..وكانت الصدمة . وقد تكون الأسطورة أصدق من الواقع كما قال ذات يوم المفكر الجزائري كاتب ياسين !!
كتب فريد الأنصاري مقالات محلقة في أجواء القرآن الكريم، تغرف من معجم نور الله، وتستهدي بمشكاة النبوة، كما عاشها الجيل القرآني الفريد، تنافح عن قيم أخلاقية أريد لها أن تندرس بفعل آفة التردي الحضاري، فمسح عليها الأنصاري الغبار وصقلها بقلمه السيال على طريقة الكتاب الكبار كمصطفى صادق الرافعي وسيد قطب وبديع الزمان النورسي وآخرين، حيث كتب في جريدة "الصحوة" التي كان يديرها الأستاذ مصطفى الرميد حول قناديل الصلاة وجمالية الموت...نعم جمالية الموت، كما كتب مقالات حجاجية في الاختيار النقابي والتصور السياسي، فاختلف مع إخوانه المقربين ومن بينهم الأستاذ عبد الرزاق المروري رحمه الله كما ذكر في كتابه " الأخطاء الستة" حول التصور للعمل النقابي في الجامعة.
كتب فريد الأنصاري يرحمه الله الشعر والرواية والمقالة الصحفية وبعض الخواطر والتأملات حول النص القرآني الذي أخذ منه الكثير دراسة وتدريسا وتعليما وتلقينا من على منابر الخطابة، لأنه رجل تربية أولا وأخيرا كما عُرف عنه، ناهيك عن تخصصه في علم الأصول وعلم المصطلح صحبة رفيقه العلامة الشاهد البوشيخي. وعلى الرغم من تنوع اهتماماته، فقد كان منكبا على مشروع نقدي لمسيرة الحركة الإسلامية، هذا المشروع النقدي أثمر خمسة كتب : أولها كتاب " التوحيد والوساطة في التربية الدعوية" صدر في جزأين عن سلسلة كتاب مجلة الأمة القطرية، والكتاب الثاني صدر عام 2000 بعنوان " الحركة الإسلامية والفجور السياسي" والذي قدم له د. سعد الدين العثماني، بالرغم من أنه يقدم في هذا الكتاب نقد للخيار السياسي لحركة التوحيد والإصلاح وكذا العدل والإحسان في طريقتهما في مدافعة ما سماه بالفجور السياسي، والكتاب الثالث كان عنوانه " البيان السياسي والتضخم السياسي" وتناول فيه خيار العدل والإحسان وحده، أما الكتاب الرابع فكان عنوانه " الأخطاء الستة" الذي أحدث ضجة كبرى في صفوف حركة التوحيد والإصلاح، وختم مشروعه النقدي بكتاب خامس حول ما سماه " الفطرية" والذي أعلن فيه عن أفول الحركة الإسلامية، وبداية ما سماه بـ "حركة الإسلام" التي تقوم على الفطرة التي فطر الله الناس عليها !!
فريد الأنصاري من أدغال" السيبة" إلى أحضان "المخزن" !!
هناك من يذهب إلى أن الدكتور فريد الأنصاري رحمه الله كانت بدايته الأولى مع الحركة الإسلامية ضمن فصيل الشبيبة الإسلامية، أنا أتحفظ على هذا الكلام، وذلك لسبب بسيط، لأنه لا يمكن أن نحسب مراهقا لا يتجاوز عمره 15 سنة أو 17 سنة ضمن تيار سياسي معين، لا من الناحية القانونية ولا على مستوى النضج المعرفي والنفسي القمين بجعل شاب في مقتبل العمر يقتنع بفكر معين دون تبين معرفي وإيديولوجي واضح، ولهذا لا يمكن حسب رأيي الشخصي أن نعد بعض الإسلاميين الذين لم يتجاوزوا الخمسينات الآن بأنهم كانوا أعضاء فاعلين أو قياديين في الشبيبة الإسلامية، والمرحوم الأنصاري أحدهم طبعا، وإذا سلمنا بالرأي الآخر أمكن القول بأن المرحوم فريد الأنصاري كان يعيش في أدغال السيبة، سواء مع تيار ما تبقى من الشبيبة الإسلامية أو لاحقا مع تيار الرابطة التي كانت ترفع شعارالمعروف" لا نشارك ولا نبارك" قبل التحاقها بحركة التوحيد والتجديد عام 1996، نعم أقول التحاق وليس وحدة، لأن رابطة المستقبل الإسلامي تخلت عن قناعاتها وسلمت باختيار بنكيران ويتيم وباها وغيرهم من تيار التجديديين سيما بعد الموت المفاجئ لمهندس الوحدة وهو عبد الرزاق المروري، ولما كتب حسام تمام مقالة عام 2007 بعنوان " عبد الإله بنكيران : القيادة دون كاريزما" اختلفت معه، ولكنه استطاع أن يقنعني وقال لي ها أنت ترى أن خيار بنكيران هو الذي انتصر في الأخير، فإذن هو قيادي دون كاريزما !!
الأستاذ فريد الأنصاري كان غير مقتنع بخيار الوحدة، كما كان أقرب إلى أستاذه الشاهد البوشيخي في تصوره لعملية الإصلاح والتغيير، غير أنه تجاوزه، أو ربما أراد أن يخط لنفسه طريقا خاصا لا يراه عند جماعة العدل والإحسان ولا عند الإصلاح والتوحيد ولا عند أستاذه الشاهد البوشيخي الذي يبدو للبعض بطيئا لا يلبي تطلعات الشباب المتقد حماسة في رحاب الكلية، بمعنى أن الاختلاف مع رفاقه في الإصلاح والتوحيد لم تكن بدايته عام 2000 كما يشاع، بل أن بوادر الاختلاف بدأت في منتصف التسعينات، ولا زلت أتذكر دردشة جمعتنا به في كلية ظهر المهراز في فاس مع أحد الزملاء، فقال يرحمه الله ساخرا: "الإسلاميون دخلوا للعمل السياسي وأصبح لهم حزب...لو طلبنا منهم أن يقدموا لنا الحكومة لأعطونا وزيرا للأوقاف الإسلامية فقط" ضحك زميلي الذي بدا أنه متفق معه، فقلت له: يا أستاذ هل تعتقد أن الكفاءات الموجودة في البلاد من غير الإسلاميين سيتم إقصاؤها لو وصل الإسلاميون للحكم؟ وأضفت موضحا لزميلي لأن الأنصاري يرحمه الله بالإشارة يفهم: " ما يجب أن يكون عليه مدار النقاش هو طبيعة النظام الذي يجب أن يغير وليس الأشخاص" .
لقد عين الأستاذ فريد الأنصاري خطيبا في مسجد محمد السادس في مكناس بظهير شريف، كما عين رئيسا للمجلس العلمي في مدينة مكناس نفسها، وسبق له أن قدم درسا رمضانيا ضمن سلسلة الدروس الحسنية، وبالرغم من هذا ظل مقربا من حركة التوحيد والإصلاح إلى أن صدر كتابه المعنون بـ " الأخطاء الستة"، هذا الكتاب الذي أحدث زلزالا داخل الحركة والحزب معا، لقد أشار إلى نقطة اعتبرها التيار التربوي والدعوي مهمة كون الحزب التهم الحركة، أو أن الحركة تعرضت لعملية اختطاف سياسي بتعيير الأنصاري رحمه الله، وذكر قصصا يعسر تفنيدها، فأغلب الأعضاء صدقوا بما جاء في الكتاب وباركوا هذه الخطوة، البعض منهم اختلف في طريقة الأسلوب في النقد وحسب، إخوان بنكيران في الحزب والحركة وكذا الصحفيين المقربين منهم والذين يشتغلون في منابر إعلامية مغربية سكتوا ولم ينبسوا ببنت شفة كما فعلوا مع تيار السلفية الجهادية وخلية أنصار المهدي ورؤى العدل والإحسان، بل إن جريدة المساء لما اتصلت بأعضاء الحركة رفضوا الجواب بدعوى أنهم في اجتماع خاص، غير أن المفاجأة كانت في رد الدكتور الريسوني على كتاب الأنصاري، بالرغم من أنه شكره في الكتاب وذكره بالاسم رفقة المقرئ الإدريسي والرميد الذي قال عنه بأنه مجاهد. رد الريسوني كان غير مقنع إلى درجة أن البعض ذهب إلى أن بعض السياسيين المهيمنين على الحركة والحزب معا أكلوا الثوم بفم الريسوني، بحيث أنه لم يكن موفقا وتم استدراجه في معركة هو أبعد ما يكون عنها كما حدث له حين ثم إقحامه في مهاجمة العدل والإحسان رفقة بعض السلفيين التكفيريين !!
الأستاذ فريد الأنصاري انتقد تصويت الحزب على قانون الإرهاب بعد أحداث الدار البيضاء 2003، وقال بأن الحزب لم يقدم للدعوة الإسلامية شيئا يذكر، لأنه لو تم حل الحزب لبقي الإسلام مستمرا تحت إمرة إمارة المؤمنين !!
هذا ليس كلاما يختلف حوله أهل التوحيد والإصلاح، بل إن آخر مقال صدر في جريدة الفرقان، في العدد الأخير63 -2009، والمخصص للخطاب الأشعري بالمغرب، يوجد مقال في الصفحة 120 لأحمد كافي يتحدث عن إمارة المؤمنين في زاوية ثقافة شرعية!!
إن فريد الأنصاري رحمه الله، خرج من أدغال السيبة، أي من تيار ما تبقى من الشبيبة الإسلامية، مرورا مع تيار رابطة المستقبل الإسلامي التي كانت ترفع شعار" لا نشارك ولا نبارك" إلى العمل ضمن أحضان المخزن، ومراسم دفن جثمانه يرحمه الله يوم الأحد الماضي كانت واضحة في هذا الصدد، بحيث أن الجماهير الغفيرة التي حضرت لتشييعه إلى مثواه الأخير،في حي بني امحمد بمسجد الروى في مكناس، استمدت قوتها من الحركة الإسلامية ولا شك، بحيث أن وفودا من أبناء التيار الإسلامي قدمت من مدن بعيدة لتلقي النظرة الأخيرة على جثمان الدكتور الأنصاري يرحمه الله، لكن الاحتضان الرسمي لمراسم الجنازة كان باديا للعيان بحيث أن كلمة مصطفى بنحمزة رئيس المجلس العلمي في وجدة كانت بلسان العلماء الرسميين الحاضرين والغائبين بتعبيره، وأن القاعة المغطاة التي أقيمت خصيصا للعزاء في حي حمرية كانت على نفقة أمير المؤمنين كما قال الدكتور بنحمزة، وأضاف بنحمزة بأن الملك أرسل رسالة تعزية خاصة لأسرة الفقيد...بينما كان في الجهة المقابلة للعلماء الرسميين المهندس محمد الحمداوي رئيس حركة التوحيد والإصلاح وحده شاردا إلى جانبي-أنا- كباقي يا أيها الناس، أما عبد الإله بنكيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية فصلى الظهر والجنازة ولم يدخل للمقبرة، وهذا ما فعله أيضا الشاهد البوشيخي الذي بقي على صلة خاصة بالراحل، ويقول البعض أن هذه العلاقة هي الخيط الوحيد الذي بقي يربط الأنصاري بالحركة الإسلامية !!
لم ينس أحد العلماء الرسميين الذي كان يبكي بكاء حارا بأن يطلب من الحضور أن يلتحق بخيمة العزاء في حي حمرية، بينما أصدقاء الأنصاري وأحبائه من الحركة الإسلامية ظلوا شاردين، ومنهم من غادر المكان على وجه السرعة قافلا من حيث أتى (....) !!
ماذا تبقى إذن؟
لكل وجهة هو موليها..فكل واحد يرى في الدكتور فريد الأنصاري شيئا أعجبه وتفاعل معه إيجابا أم سلبا، أما إذا سألتموني أنا شخصيا، سأقول لكم وبصراحة: في شهر رمضان الماضي كنت في مكناس فاشتريت آخر ما كتب الأنصاري رحمه الله، وهو كتاب بعنوان" الصلاة عمود الدين" لما كنت أقرأه، كنت أحس أني أول مرة أعرف الصلاة...نعم الصلاة، ومن صلحت صلاته صلحت أعماله، وهي أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة...
وكانت الصلاة آخر وصية للدكتور فريد الأنصاري يرحمه الله تعالى.
هنا لا يختلف أزلام المخزن مع أنصار السيبة!!
n.lechhab@gmail.com