عبد الفتاح الفاكهاني هكذا عرفناه...

عبد الفتاح الفاكهاني هكذا عرفناه...
الإثنين 29 غشت 2011 - 04:33

هدف واحد ظل يشغل بال الفقيد، إنه تغيير هذا العالم الذي لم يعجبه يوما. وبرحيله على حين غرة، فقدت ساحة الكلمة الحرة الملتزمة والمسؤولة أحد فرسانها، بعد أن صارع الموت ردحا من الزمن في صمت وشجاعة وهدوء ورزانة.

لقد ظل الفقيد عبد الفتاح الفاكهاني من طينة المناضلين العاملين في السر الرافضين للظهور، مدافعا على امتداد أكثر من ثلاثة عقود عن كرامة المواطن وحقوق الإنسان في كل الجبهات، ومخلصا دائما للمبادئ والأفكار والمواقف التي اعتقل من أجلها.. ناضل كقيادي ضمن الحركة الماركيسية اللينينية (منظمة “إلى الأمام”) ولم يوفر جهدا لتوحيدها.. وكنقابي وفاعل جمعوي وككاتب وشاعر.. صحفي.. وموسيقي.. لم يسجل عليه يوما أنه طمع في امتياز أو حظوة رغم أنه كان لكل مساندة موضوعية مستحقة فقير.. حرص حرصا شديدا على نظافة ونقاء مساره، متشددا في الدفاع عن الديمقراطية والتغيير من أجل نصرة الحرية وكرامة الإنسان.. لذلك إنه فقيد الجميع، فقيد كل التواقين إلى تغيير حقيقي لصالح الإنسان وعيشه الكريم.

برحيله فقدت سماء الكلمة الحرة والالتزام النضالي النظيف أحد نجومها.. وهو الإنسان الذي عرف كيف يواجه الحياة بتعقيداتها المحبطة ودسائسها التافهة، بصمت وأنفة.. لقد أحب وطنه، حبا خاصا، بطريقته، وشكل هذا الحب الخاص المعين الذي كان يغترف منه الوفير من قوة صموده المادي والمعنوي.

كان أقل كلاما عن باقي رفاق دربه لكنه أكثر تحركا على أرض الواقع.. كان يولي الأولوية لـ “البراكسيس” أكثر من “الهضرة” رغم أنه كان خطيبا ممتازا.. تميز بعتاده النضالي، النظرية الصلبة.. ظل “جلموديا” في هذا المضمار.. في انتخابات “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب”، حينما كان يمثل، وقتئذ “الجبهة الموحدة للطلبة التقدميين” لم يدق طعم النوم أربعة ليال متتالية بشهادة إبراهيم الكازوزي أحد رفاقه، وذلك لحراسة صندوق التصويت قبل فتحه ومعاينة محتواه خلال المؤتمر الرابع عشر.

كان أحد أبرز خطباء “جبهة الطلبة التقدميين” بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، ورفيق الدراسة للراحل إدريس بنزكري في نفس الشعبة “الآداب الفرنسية”. يثقن الفرنسية والعربية، كان، محفوظا في عيون رفاقه على درب الكفاح والنضال منذ 1968، مكتبة متنقلة وقاموسا متحركا.

من آخر كلماته – حسب الذين رافقوه عند احتضاره – “أنا فرحان.. أنا سعيد” ويحق له فعلا أن يكون كذلك.. لقد ظل مشواره نظيفا حتى آخر رمق في حياته، ولم يندم على أي لحظة من لحظات مشواره رغم رداءة العالم الذي عاش فيه.
ابتعد عن “السياسة” لكنه لم يتنكر لقناعاته.. بقي الفاكهاني الذي عرفناه منذ فجر سبعينات القرن الماضي.

مات عبد الفتاح الفاكهاني العازف الماهر على الآلات الوترية، إذ كان صاحب حس موسيقي رهيف.. بمعية بعض رفاقه في السجن المركزي بالقنيطرة يخفف على مجموعتي حي “ألف 1″ و”ألف 2” وطأة الاعتقال وفقدان الحرية، يحلق بهم في بهو ساحة الفسحة عبر أغاني ناس الغيوان وجيل جيلالة بلكنته المراكشية الخاصة.. في البداية اكتفى بالاعتماد على القليل المتوفر لتشكيل فرقة موسيقية خلف الأسوار، سرعان ما تألقت مجموعته بعد أن سمحت إدارة السجن بإدخال بعض الآلات الموسيقية، وبعد التقليد جاءت مرحلة البحث عن تأليف أغاني ملتزمة خاصة.. كان الأمر سهلا على الفاكهاني الشاعر الذي برز في بداية الثمانينات من قاع السجن المركزي بالقنيطرة مبدعا متألقا.

سابقة أخرى، يتذكرها أحد زملائه بالسجن، الفقيد عبد الفتاح الفاكهاني كان أول من تكلم عبر الهاتف من داخل السجن ضمن مجموعته، عندما أخبر بعض رفاقه من لجنة المفاوضات المعزولين بسجن تازة وعين قادوس بفاس لفك الإضراب عن الطعام، ولم يكن أحسن من عبد الفتاح الفاكهاني للقيام بهذه المهمة اعتبارا لصوته الجهوري، ولسهولة التعرف عليه، سيما وأنه كان يبدأ كلامه بمقدمة لا يمكن أن تصدر إلا عنه.
خلال محاكمة مجموعته كانت سيارات الأمن تأتي باكرا إلى سجن “عين بورجة” لنقل المعتقلين إلى المحكمة، وحالما تغادر الباب الرئيسي، ينطلق صوت عبد الفتاح الفاكهاني.. همهمة تتصاعد رويدا رويدا منشدا نشيد الثوار..

“رمز الإنسان ثائرون
لم يعد يقبل الهوان
إذ دوّت صرخة الضمير
إيمانه يسدد خطاه
شمس الحقيقة هداه
نحو الأفق الأحمر يسير […]”.
وعندما يصل إلى “اللازمة” يكون الجميع قد شارك الفقيد في الإنشاد، لينطلق كل راكبي السيارة: “[..] لتكسير قيد العبودية
وأنياب الفقر الوحشية
يهب الثوار كلهيب النار”.
فلتشملك رحمة الله.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • saber
    الإثنين 29 غشت 2011 - 06:02

    Un homme digne et honnete.Il fait prtie de ces étoiles filantes qui se consument pour nous éclairer la voie. Hommage à lui.Ses souvenirs resteront prmi nous.

  • cityofthelight
    الإثنين 29 غشت 2011 - 18:44

    بفضل هؤلاء الناس صنع المجد لهدا الوطن ،أناس ليست لهم مصالح شخصية او مادية سوى الضمير والحس الوطني

  • adil
    الخميس 1 شتنبر 2011 - 20:49

    On ne peut que respecter les gens de cet envergure, de ce poids et qui ont depuis toujours su comment servir leurs patrie en combattant pour la libérté, la fratérnité et le respect des hommes.

  • Fora abdelhakimf
    الجمعة 2 شتنبر 2011 - 11:04

    صديق الطفولة ابن عمي
    صادق المبادئ ابن عمي
    صدوق النضال ابن عمي
    انه وريث النضال و من خصال أبيه الحاج عبدالقادر الفاكهاني رحمه الله؛
    أ نه عند قدوم الجنرال grand val سنة 1954 إلى مراكش ،قامت مظاهرة للمطالبة بالإستقلال، فألقي بالقبض على بعض المناضلين ،و لما علم المرحوم الحاج عبدالقادر بالخبر ،أغلق دكانه و توجه إلى ساحة جامع الفناء حيث يوجد
    مخفر الإعتقال، و بدأ يمشي ذهابا و إيابا مما أثار شكوك حارس المخفر ، فطالبه
    بالإنصراف، إلا أن المرحوم رد عليه بالقول إنني على عهد مع إخواني المناضلين
    المعتقلين في المخفرو لن أغادر حتى يطلق سراحهمً ،فلم يكن من الشرطي إلا أن ؤاعتذر لإيمان المرحوم بقضيته و وطنيته .و خير القول ؛إن النضال موروث و
    غيره زائل مفقود٠

  • karim
    الجمعة 2 شتنبر 2011 - 12:24

    Que Dieu ait son âme, j'ai eu l'occasion de le connaître en tant que journaliste à l'AFP, c'était un homme exemplaire, honnête et digne de foi

صوت وصورة
عروض فرقة المسيرة الخضراء
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 19:35

عروض فرقة المسيرة الخضراء

صوت وصورة
محافظتي تتيح تتبع العقارات عن بعد
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 18:00

محافظتي تتيح تتبع العقارات عن بعد

صوت وصورة
إعادة هيكلة جوطية درب غلف
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 17:12 4

إعادة هيكلة جوطية درب غلف

صوت وصورة
"صاك طنجة" يشعل مجلس البيضاء
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 14:37 14

"صاك طنجة" يشعل مجلس البيضاء

صوت وصورة
محامو المغرب يعودون إلى المحاكم
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 13:18 4

محامو المغرب يعودون إلى المحاكم

صوت وصورة
المنتجات المغربية في أبوظبي
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 12:24

المنتجات المغربية في أبوظبي