الملائكة لا تحلق فوق سيدي سليمان

الملائكة لا تحلق فوق سيدي سليمان
الخميس 18 غشت 2011 - 03:09

“هذه مدينة لا تكتفي بقتلك يوماً بعد الآخر, بل تقتل أيضا أحلامك” أحلام مستغانمي

لا أعرف تحديدا، ماذا كان سيغني المطرب المغربي نعمان لحلو عن مدينة تشبه سيدي سليمان، فلقد “تغزل” بشفشاون، وتافيلالت، ربما كان سيغني على المدينة “القديمة” سيدي سليمان، منشدا بحزن :”يا المدينة يا المقصية، يا المدينة يا المهمشة”، وغيرها من الكلمات المناسبة لمدينة تتنفس بصعوبة تحت الفوضى، وعلى ذكر الغناء، لا زال سكان مدينة سيدي سليمان يعتزون بأغنية تعود للموسيقار عبد الوهاب الدكالي، ورد فيها ذكر مدينتهم أيام كانت تتوفر على أكبر معمل للسكر قبل سنوات قليلة، أما اليوم فقد ذهب السكر ولم يبق إلا “القالب” الذي تفنن رؤساء المجالس البلدية المتعاقبة في إبداع أشكال متعددة منه، ليجد السليمانيون أنفسهم أمام “قوالب” بدون سكر مع نهاية كل ولاية، وهكذا ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه سكان المدينة تنظيف “الحفرة” -كما يحب أن يهجوها أبناؤها- من مسؤولين يجثمون على أنفاسها، ويستنزفون خيراتها “زنكة زنكة”، تفتقت عبقرية المجلس البلدي الحالي عن فكرة تفويت قطاع النظافة لشركة خاصة، في زمن أثبتت فيه تجربة تفويت قطاعات حيوية لشركات خاصة فشلها الذريع في مدن كبرى، كما قرر المجلس إنشاء مقبرة جديدة في الطريق المؤدي إلى القاعدة الجوية الخامسة، طريق القنيطرة..وعلق احد الظرفاء على هذا ” الإنجاز” المهم قائلا :”إنهم يريدون إقبار ملفات فشلهم في تسيير الشأن المحلي خارج المدينة”.

سيدي سليمان، مدينة تشبه “لقرع فينما ضربتيه تيسيل دمه”، واعذروني، إن أثقلت عليكم بالكتابة للمرة الرابعة عن “سلايمن سيتي” ، ذلك لأنني كلما قررت الكتابة عن موضوع آخر يقف “رجال البلاد” أو “مالين المكان”، في وجهي ملحين علي بأن أوفي مدينة الطفولة حقها في زمن الحديث عن مرحلة جديدة ودستور جديد ونفس جديد، لتكون هي الأخرى مدينة جديدة، عوض أن يطويها النسيان الذي عانت منه –و ما تزال- لسنوات طويلة.

أعرف بأن الكتابة عن بعض المدن الصغيرة يجلب الحساسية المزمنة لبعض الجهات التي يزعجها “الحكان على الضبرة”، التي تتمنى أن “تنساها”الصحافة، وتتحدث عن هيفاء وهبي وعن نانسي عجرم، يعني بالعربية تاعرابت يقول كل من في كرشه العجينة في قرارة نفسه:”الخلعة طلقي مني”، ذلك لأن فضح تجاوزات بعض المسؤولين في الأمن والصحة والتعليم والعمران عادة ما يزعج بعض الذين اعتادوا اقتراف “جرائم قتل” في حق مدينة وديعة بمسدسات كاتمة للصوت.

تتوفر المدينة على العديد من المؤهلات غير أنها تعاني من وضع اقتصادي متردي نظرا لافتقارها لمؤسسات اقتصادية من معامل ومصانع ووحدات إنتاجية موازية، الشيء الذي دفع الشباب إلى البحث عن الخلاص من الفقر والبؤس الذي يعيشونه، كما أن الدواوير التابعة للإقليم تعيش عزلة تامة بسبب انعدام المسالك الطرقية التي تتسم بوعورتها لدرجة تصبح غير صالحة للاستعمال في فصل الشتاء، كما يوجد بتراب الإقليم مؤسسة صحية واحدة وبضع مستوصفات يشرف عليها عدد قليل من الممرضين وعدد أقل من الأطباء وتفتح أبوابها لساعات قليلة في ظل غياب أبسط مستلزمات التطبيب الضرورية.

ويشهد هذا المستشفى المحلي اكتظاظا شديدا بسبب الإقبال الكبير للمواطنين الذين يتوافدون من البوادي المجاورة والتي تبعد بمسافات طويلة، وكذلك بفعل الخصاص الحاد في الكفاءات البشرية والأدوية ورغم توفر هذا المستشفى على قاعة للولادة فمازالت نسبة كبيرة من النساء الحوامل يضعن مواليدهن أحيانا بالطرق، تفاديا للانتظار الذي يطول بقاعات المستشفى دون جدوى.

من جانب آخر تعرف المدينة انتشار البناء العشوائي، الشيء الذي تسبب في وجود أحياء سكنية بأزقة ضيقة تنعدم بها شروط السكن حيث تنتشر العديد من النقط السوداء التي تعرف تراكم الأزبال والنفايات.

ولكي لا أُتهم لوحدي، برسم صورة “كافكاوية” لمدينة كانت تسمى إلى وقت قريب باريس الصغرى، أسوق إليكم، فيما يلي، مقاطع من مقال منشور بأحد المواقع الإلكترونية، للزميل خالد أوباعمر، أحد أبناء المدينة، جاء فيه:”إقليم سيدي سليمان، من الأقاليم الجديدة التي أخذ منها الفساد أكثر مما أخذته التنمية “، مشيرا بغير قليل من المرارة “إلى أن مراجعة بسيطة لأرصدة المسؤولين الأمنيين، الذين تحملوا المسؤولية الأمنية على صعيد الإقليم، وأرصدة ذويهم وممتلكاتهم العقارية والهدايا الثمينة التي تؤثث فضاءات بيوتهم، فيلة بإعطاء الأجوبة الشافية والكافية عن درجة الفساد والاستغلال في ممارسة الواجب الوطني على صعيد الإقليم”، ويتابع وأحس بان ” الغدايد” تعتصر قلبه :”مدينة سيدي سليمان مثلا، أصبحت من المدن، المباح فيها استهلاك الحشيش أمام الملأ بمقاهي ليلية دون حسيب أو رقيب، والسبب في كل ذلك، علاقات المصالح التي تصل إلى حد التسيب والعبث بالصحة العامة للمواطنين”.

ويمضي قائلا :”معرفة حجم الفساد ودرجة التقصير في أداء الواجب الوطني بالمجال الأمني بإقليم سيدي سليمان، لايستدعي مجهودا كبيرا من طرف لجان البحث، فنفس المدينة يستطيع فيها تجار الخمور بكل أشكالها وأنواعها، بيعها أناء الليل والنهار، وبعلم أصحاب الواجب الوطني، ومع ذلك، يترك للعابثين بسلامة وأمن وصحة المواطنين، الوقت الكافي للاغتناء قبل اعتقالهم وتقديمهم للمحاكمة”، مضيفا بأنه :”في إقليم سيدي سليمان، رجل الأمن الذي يفترض فيه بحكم الأمانة التي أنيطت به مسؤولية حملها، أن يكون قدوة للمواطن في احترام النظام العام والأخلاق العامة، تجده في أحيان كثيرة موضوع تجاوزات أخلاقية وقانونية مؤسفة”.

أعتقد بأن كل أبناء المدينة يرددون نفس الكلام، لأن ما يقع بمدينتهم، يعتبر معاكسا لإرادتهم، ورغبتهم القوية في التنمية والخروج من سيطرة الأعيان والمفسدين ومسؤولين أمنيين دون المستوى، أوصلوا المدينة إلى مدينة –كما تقول الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي- “لاتكتفي بقتلك يوماً بعد الآخر, بل تقتل أيضا أحلامك”، باختصار شديد، تحولت إلى مدينة ينطبق عليها عنوان الفيلم المغربي مع تحوير بسيط “الملائكة لا تحلق فوق سيدي سليمان”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

9
  • houssa
    الخميس 18 غشت 2011 - 04:13

    je comprends moi aussi le choix de ce langage propre que -slaymen city-:repoussé par les odeurs nauséabondes que fume le répertoire de la ville!et bien mon chèr, combien nombreuses ces slaymen cyties! seulement sous d'autres noms,la liste est trop longue pour ne répertorier que slaymen jusqu'à errachidia et confins.
    N.B;pourquoi pas un jumelage de villes victimes de leurs responsables respectifs?à te lire Ba Hassane.

  • khaldoun
    الخميس 18 غشت 2011 - 12:16

    merci si hasan ..la ville de sidi slimane est devenue miserable.a cause de l'etat..il faut que les slimanis vivent dans la dignité tous.mais il faut bouger et faire entendre vos voix de hogra et de malheur a les responsable ..merci hespress et merci si hasan, 

  • سعيد العصري
    الخميس 18 غشت 2011 - 17:27

    السيد العامل ابان في الايام القليلة عن حسه الهجومي حينما سمح للزبانية من قوات القمع بضرب المعطلين امام مقر عمالته التي اصبحت بالفعل ملاذا لابناء مدينة مكناس الذين استهوتهم الوظيفة بهذه المدينة.يوم التدخل الهمجي رأينا حضور افراد فرقة الشرطة القضائية هل لان المعطلين مجرمون مبحوث عنهم أم ان في الامر ان وأخواتها.السيد العمل الامور اتضحت وعليك بان تكون في مستوى الثقة التي وضعها فيك ملك البلاد .أما رئيس المجلس البلدي الحالي الذي اصبح من هواة شراء السيارات والبقع فأقول له يوم الحساب قادم عليك لا محالة

  • سليمانية
    الخميس 18 غشت 2011 - 17:36

    صحيح أنها مدينة صغيرة، لكنها جميلة وخلابة وهي مدينة فلاحية بمعنى الكلمة، لكن من فيها أو بمعنى آخر أغلبية المسؤولين فيها ليسوا بأبنائها لذلك يفعلون ما يريدون فيها يفكرون في الاستفادة وليس الإفادة، كلما أتى مسؤول زاد على تخريب ما خلفه الذي سبقه، نداء مرة أخرى إلى المسؤولين أن ينظروا إلى حال هذه المدينة الجميلة وإلى شبابها الضائع بسبب التسييرات العوجاء نريد مسيرين حقيقيين نريد معامل نريد مشاريع لتشغيل اليد العاملة لقد تعبنا من رؤية هذه المدينة تندثر، شكرا كثيرا لمقالك الجميل فأنت دائما في تألق

  • mjid
    الخميس 18 غشت 2011 - 21:08

    merci d'avoir parlé de cette ville jetée dans les oubliettes de l'histoire,je m'interroge si il ya des responsables dans cette ville ou c'est l'anarchie,lorsque je circule a travers les rue avec ma viture je n'arrive pas à passer à cause de l'encombrement de la route ,pourquoi les comités compétentes n'intervinnent il pas pour mettre un peu d'ordre dans cette ville,ou sont passés ces responsables nous ne les voyons que le jour des élections ;c'est vraiment honteux!honteux honteux

  • من سيدي يحيى الغرب
    الخميس 18 غشت 2011 - 22:06

    سيدي يحيى الغرب بدورها تعاني وما باليد حييلة

  • abu ilias
    الخميس 18 غشت 2011 - 22:22

    عليه من بعد,و سرق الاهالي,وامتص دماء الشباب السليماني باجهاض كل الاستثمارات ,رجل من اكبرقيادات احدالاحزاب ,اظننانحتاج لنص دستوري لايقافه.بالنسبةلي عدم انتخاب هداالشخص ,الدي افتتح اشغاله مع اول دورة برلمانية,هو مقياس نزاهه الانتخابات القادمة شانه شان كثيرمن الوجوه التي تخنق نفس المغاربة دون سابق حاجة او مصلحة وطنية ,قالها نصرالله فكوعلينا

  • سليماني الاصل
    الجمعة 19 غشت 2011 - 02:56

    …مدينة مهمشة بالفعل…مدينة التماسيح والبطالة…كثرة المقاهي…انعدام المعامل و الشركات…انعدام النظافة بها….كأن كتائب معمر القدافي مرت منها…

  • bachir
    الجمعة 19 غشت 2011 - 15:37

    لا حول ولاقوة الا بالله العظيم
    هذه المدينة المهمشة كانت في احسن احوالحا عندما كانت بها بعض المرافق الاقتصادية كمعمل سكر سيدي سليمان والذي كان من اكبر معامل السكر في شمال افريقيا حيت اغنى السوق المحلية الوطنية. ومعمل سونابا للحوامض اللتي وصل منتوجحا الى كامل اوروبا. ومعمل لاكاب الذي وصل منتوجه شودصلاي الى كندا..هذه المرافق الصناعية كنا نفتخر بها و كانت تشغل يدا عاملة محلية كبيرة .السؤال المطروح لماذا تم اعدام مصد ررزق المدينة الذي ورثته عن المستعمرالفرنسى؟ و الذي وضع بنية تحتية ممتازة للمدينة حتى لقبوها باريس الصغرى. هل الدولة تخرب ام تبني ؟ .يقول المثال الفرنسي : اذا كنت لا تتقدم فهذا يعني انك تتاحر. اين اضافات الدولة مما تركه المستعمرالفرنسي؟ فلا خير في مجلس بلدي او عمالة او حكومة تخرب ولا تبني.. وكفانا تشدقا ب للا مركزية او التنمية البشرية او او او لاحمد والعفريث

صوت وصورة
بوتين يستقبل المنصوري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:36 2

بوتين يستقبل المنصوري

صوت وصورة
مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:00

مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟

صوت وصورة
الأمازيغية ورهان الاستمرارية الثقافية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 18:01 4

الأمازيغية ورهان الاستمرارية الثقافية

صوت وصورة
متقاعدو "ليديك" ينتظرون الإنصاف
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 17:51 1

متقاعدو "ليديك" ينتظرون الإنصاف

صوت وصورة
افتتاح السنة الدراسية بالمعهد البحري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 17:30 1

افتتاح السنة الدراسية بالمعهد البحري

صوت وصورة
المنصوري تصل إلى موسكو
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 15:21 15

المنصوري تصل إلى موسكو