القلوب الناطقة
معظم أناس البلد طيبون. و الساخطون منهم على كثير من الأوضاع أيضا طيبون. و حذار أن تنطلي الحيلة على أحدهم، كون الأساتذة و الدكاترة الخبراء المرضيّين، بين مزدوجتين، الذين ينشّطون بعض البرامج في القنوات العمومية فرحين سعداء راضين عن الأوضاع، فإن كانوا لا يخيفون القنوات العمومية فلأنهم لا يتكلمون سوى في الحدود المرسومة لهم من طرف تلك القنوات العمومية. طيبوبتهم مرسومة على وجوههم، و قلوبهم تنطق من خلال نبرات أصواتهم، و لا يهم ماذا يقولون و عمّا يتحدثون. سبحان الله. هؤلاء ساخطون على كثير من الأوضاع و لكنهم اختاروا تجنب سياسة الكرسي الفارغ حتى لا يشغله الآخرون الذين يملؤون فضاء الإعلام العمومي.
أما الآخرون، فهم أولائك الذين يجب أن نرحم قسوة قلوبهم التي لا تنهى عن المنكر، (- بالرغم من أن الله ستر القلوب و لم يجعل من برهان على ما تخفيه-)، و الدليل نبرات أصواتهم فاضحة سواد قلوبهم، و لا يهم ماذا يقولون و عمّا يتحدثون. سبحان الله. نعم، يجب أن نرحم قسوة قلوبهم، إنهم أناس لا يعلمون.
الآخرون، فعلت فيهم الأنانية العمياء الأفاعيل فأعمت أبصارهم حتى صاروا يبدعون في التطبيل و التهليل غير المنتج تماما بالنسبة للنظام العام، خاصة في المحور التاريخي أو المنعرج التاريخي الصعب الذي يعيشه البلد و الذي حسبه البعض، عن طريق الخطأ، طريقا سيّارا. يبدعون في التطبيل غير المنتج بالنسبة للنظام العام و لو خارج المناسبات الرسمية، و لو في برامج عادية لا إخبارية تختص في كل ما هو غير سياسي بالمرّة. لقد شاء الله عزّ و جلّ في علاه أن يكون هؤلاء أكثر إيذاء للنظام العام من أكثر المعارضين شراسة. لعل في ذلك حكمة ربانية حتى يتصالح النظام العام مع النزهاء الصادقين غير المنافقين الذين لا يعارضون و لا يعادون الأشخاص بل الرشوة و نهب المال العام.
لم يعد الانتماء للأحزاب يعني شيئا في تقييم المداخلات. فهذا متدخل، في إطار هيئة من الهيئات أو جمعية من الجمعيات، من حزب وطني تاريخي “مدجّن” تماما ولكنه طيب القلب يريد الخير للوطن و يحاول وضع الأصبع على مكمن الداء و المرارة بادية على محياه. و نبرات صوته، و كأنها توحي بيأسه و حسرته و تأسفه على كل ما فات منذ التحاقه بحزب اتضح أن لا مبادئ له بتاتا. و لكن، فات الأوان لتغيير اللون السياسي كما أن، على كل حال، كل الألوان الحزبية أضحت تتشابه، و كل الهيئات و كل الجمعيات أصبحت تتشابه، و تغييرها لن يكون سوى مضيعة للوقت، كما أنها تبقى على الأقل غطاء يمكّن من الظهور في برامج القنوات العمومية، و لو لتمرير كلمة واحدة ولو مشفرة في أي فرصة متاحة. و العكس صحيح. فما كل الأحزاب غير المعلن تدجينها، كل مناضلوها المتدخلين في برامج القنوات العمومية يتوفرون على قلوب طيبة. و الدليل نبرات أصواتهم، و لا يهم ماذا يقولون و عمّا يتحدثون. سبحان الله.
معظم أناس البلد طيبون. الساخطون منهم على كثير من الأوضاع أيضا طيبون. لقد طفح الكيل إلى حد أن الشباب أضحوا يكرهون الأحزاب التي ينتمون إليها و لكنهم أضحوا، في دهاء جديد، يستغلونها كغطاء للتحرك و الظهور بدون حرج سياسي في انتظار التمكين. و الدليل ما يقع لكل زعيم اشتراكي يحسب أنه يتحكم في حزبه. انتهى الكلام. لقد طفح الكيل. و لا يحسبنّ صنّاع السياسة و الأحزاب أنهم يتحكمون في المنتمين إلى الأحزاب و لو كانت أحزابا مدجّنة تمام التدجين. لقد طفح الكيل، و المنعرج ليس طريقا سيّارا. لم يعد زعماء الأحزاب يمثلون قواعدهم أو المنتمين إلى أحزابهم.
لقد تقدم أناس باقتراح أفكار و أفكار لتجاوز الاحتقان الذي بات الآن يتوعد البلد بالويل و الثبور. اللهم ألطف بالبلد. من بين الأفكار وضع ميثاق. لا يهم مصدر الاقتراح. المهم الفكرة، سواء أكانت، مثلا، منبثقة من جماعة كاملة الكيان، أو من فرد أعزل كتب كتابا طبع نسخه من ماله الخاص المفترض بما أنه مال مقترض من البنك، و نشره بلا دار نشر، و وزعه بلا شركة توزيع، في إطار مؤامرة انفرادية، مؤامرة سلمية ضد التخلف. المهم أن تكون الفكرة نيّرة.
فكرة اقتراح وضع ميثاق ليست فكرة حالمة، أو خيالية، أو رومانسية، إنها عين العقل. الأوضاع تنذر بالأسوأ في البلد. “مكنزمات” الإدارة لا تبشر بالخير، فهي لن تتغير من تلقاء نفسها. ستستمر الهفوات، و الأخطاء الفادحة، و الانفعالات غير المتلائمة مع المستجدات.
لا يهم أن تكون التحاليل الحرة المتاحة صائبة إذا كانت القراءات خاطئة، أو إذا كان القراء الإداريون لا يفهمون، أو لا يريدون الفهم الصحيح، أو يخفون الحقيقة. فالتقارير لا تعكس الواقع إلا إذا كانت نابعة عن فهم عميق للأوضاع في الميدان، و للمساهمات الفكرية الحرة، مع القدرة على تدبيج الخلاصة الصائبة العلمية العالمة العارفة. فهل هذا هو الحال؟ الله أعلم.
الوطن وطن الجميع و لا أحد يريد له الدمار. لقد أضحى الوقت يداهم البلد. و الخائن هو الذي علم و عرف و اقتنع فسكت لإرضاء نافذين، أو خوفا منهم، أو لحماية مصالحه الخاصة. السكوت حكمة تفاديا لكل جدال عقيم، أو تفاديا لكل فتنة نائمة، و ليس في الأمر الجلل. وضعية البلد صعبة جدا. لا مجال للسكوت.
أما الحل المعقول فهو الاجتماع على كلمة سواء، و وضع ميثاق جماعي لتنظيم الأمور، و تهدئة الأحوال، و طمأنة النفوس، و فتح باب الأمل، لأن اليوم، و الحالة هاته، لا أمل في الآفاق و الأفق.
فليجتمع ممثل العلمانيين، و ممثل الإسلاميين المعتدلين أو غير المعتدلين، و ممثل الجماعة الإسلامية المحظورة، و ممثل الجمهوريين، و ممثل الحركة الأمازيغية المعتدلة أو غير المعتدلة، مع ممثل معتبر من الدولة. و ليكن الحوار مؤدبا صادقا شفافا يهدف إلى إنقاذ البلد. و لتحضر لغة التاريخ، و لغة العلم، و لغة الديمقراطية، و لغة الأرقام. و لتغيّب لغة الأنانية. و ليحتكم الجميع إلى العقل. ها هنا يكمن الخلاص. و كما ذكّر به أستاذ في علم من العلوم، أنت تراها 6 و أنا أراها 9، كلّ من زاويته، و كلانا على حق. سنتفق لما تتواضع أنت و تدنو منى لقراءة الرقم من زاويتي، أو لما سأقترب منك لقراءة الرقم من زاويتك، و الساعة المتوقفة على العمل تقول الحق مرتين، مرة في الصباح و مرة في المساء. إذا لا غرور و لا تكبّر. المطلوب الهدوء و التمعّن و الانخراط في الحوار بتواضع من كل الأطراف.
الحديث على إنقاذ البلد ليس من باب التهويل أو من باب تعكير سعادة الأغنياء أو شيء من هذا القبيل. لا يمكن إنقاذ البلد اليوم إلا إذا تم وضعه في سكة التقدم. لقد انتهى زمن عملية الإنقاذ بالوعود أو بالإلهاء بافتعال الأخبار، كما انتهى زمن النكتة و السخرية من أجل ضحك كالبكاء يفي بالغرض على كل الحال و ينقد البلد كلما اشتدت الأزمات. لقد تراكمت الأخطاء و كان وقعها كبير على القلوب و ليس على العقول. ستنطق القلوب مباشرة دون أدنى تصفية من العقول هذه المرة. أما الألسنة، فلقد أصابها تعب شديد و شلل.
في الماضي اشتدت الأزمة و جيء باشتراكيين كأمل للإصلاح، فنطق ناطق باسمهم فصدم الناس صدمة كبيرة، و لكن القلوب ظلت صامدة لأن كان هناك بديل و أمل. و كأن القلوب كانت تؤمن بأن من الطبيعي أن يتجنب اشتراكيون شبه علمانيين الحقيقة. ثم اشتدت الأزمة ثانية فجيء بإسلاميين كأمل قوي للإصلاح، فنطق ناطق باسمهم و جانب الحقيقة هو أيضا فانتهى الأمل. لن تصمد القلوب هذه المرة لأن الصدمة مهولة لا يمكن أن يتحملها بشر من لحم و دم و عظم.
يمكن الكذب على العقول و لكن لا يمكن أبدا الكذب على القلوب. و الخطر، كل الخطر في أن تثور القلوب على العقول. ستنطق القلوب.
الصراحة التامة ضرورية اليوم. البلد ينقسم إلى فريقين. فريق يريد استمرار الفساد لأنه لم يتعود على غير الفساد كوسيلة للحياة منذ نشأته، و فريق يريد القطع مع الفساد لأنه نظيف يستطيع العيش بلا فساد. لا تهم الأسباب أو المسببات. الذي يهم اليوم هو أن هذا هو واقع الحال. أما الهدف، فهو أن يتم طمأنة كلا الفريقين على أن الميثاق الجماعي أو الاتفاق العام لن يأتي على الأخضر و اليابس. مازال إلى حد الآن الحوار ممكنا في البلد لأن السكان لا يعادون الأشخاص بل الفساد و الرشوة و نهب مال الشعب. هذه ميزة أو استثناء يجب استثماره و لكن قبل فات الأوان. التسامح سلعة غالية و ثمينة و لكنها تتآكل و تندثر على مرّ الصدمات و الأكاذيب و الأخطاء و الهفوات مع الإصرار عليها.
الحوار الآن. الميثاق الآن. عملية إنقاذ البلد عملية سياسية في الأساس. الإصلاح السياسي وحده الجدير بالقضاء على الاحتقان. لقد اتضح جليا أن الإدارة لا تستطيع إصلاح أمورها من تلقاء نفسها. الإصلاح السياسي أولا. الإصلاح الاقتصادي ثانيا. فإصلاح قطاع العدل و قطاع الصحة و قطاع التربية و قطاع التعليم و قطاع السكنى و التعمير ثالثا.
حان الأوان للاختيار… يتبع…
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.