مراهقو الناظور يوفرون الشغل لعاطلي الرباط

مراهقو الناظور يوفرون الشغل لعاطلي الرباط
الأربعاء 9 أكتوبر 2013 - 15:44

هناك نوع خطير من البطالة لا يتحدث عنه أحد، بل لا توجد أرقام وإحصائيات ومعطيات عنه في أرشيف المندوبية السامية للتخطيط، مع أن مخاطره تهدد مستقبل البلد.

الغريب أن هذا النوع من البطالة، يتقاضى عاطلوه ومعطلوه، أجورا “سمينة” قد تكفي أحيانا لحل إشكاليات مزمنة لقرى وأحياء صفيح بأكملها.

المقصود هنا هي البطالة السياسية التي يعاني منها كثير جدا من الذين قادتهم الظروف لاحتلال مواقع في الحكومة أو في المؤسسة التشريعية، ولم يقدموا أية إضافة للعمل السياسي أو الحزبي، ولهذا حين يحاولون “تحليل” الأجور -وليس التعويضات- التي يحصلون عليها بانتظام، بل ويطمعون في الزيادة، لا يجيدون سوى الركوب على قضايا تافهة وعابرة.

في هذا السياق، لاحظنا كيف أن قضية “القبل المسروقة” في إحدى مدارس الناظور، تحولت إلى قضية رأي عام، وتم “تدويلها”، إلى درجة خيل معها للبعض أن مجلس الأمن قد يعقد جلسة طارئة لإدانة المغرب ومطالبته بالإفراج عن المراهقين المعتقلين تحت طائلة “البند السابع”.

وشخصيا، لا أجد سببا آخر مقنعا لتبرير الضجة التي صاحبت هذه النازلة، سوى “البطالة” التي يعاني منها البرلمانيون والجمعويون والسياسيون والصحافيون والمفتون..

فالمفروض أننا أمام حدث كان بالإمكان أن يمر دون ان يلتفت إليه أحد، لو تركت الأمور تسير في مسارها الطبيعي، لكن ماذا نقول عن بلد يسيء سياسيوه وجمعويوه وإعلاميوه اختيار الساحة المناسبة لمعاركهم الكلامية؟

في فرنسا مثلا، شهد الدخول المدرسي الحالي حدثا غير عاد في بلد “الأنوار” تمثل في إقدام إدارة إحدى المؤسسات التعليمية على منع التلميذات والتلاميذ الذين يرتدون ملابس غير مناسبة من الدخول.

واحتل الخبر بطبيعة الحال مساحة محدودة وعادية في وسائل الإعلام، التي نقلت وجهة نظر الإدارة وردود فعل التلاميذ والآباء، والتي جاءت في أغلبها متفهمة، وانتهى الأمر كما بدأ، رغم أن الإدارة لم تتراجع عن قرارها وإن كانت قد جعلته أكثر مرونة.

لم يتحول الأمر إلى معركة سياسية، ولا إلى تحد للحكومة، ولا إلى استهزاء بوزير التعليم أو وزيرة العدل التي يرجع لها الفضل في تمرير قانون “الزواج للجميع” الذي أدى إلى أزمة اجتماعية غير مسبوقة في تاريخ فرنسا المعاصر..

وفي أمريكا، وفي ولاية تكساس تحديدا، تنظر المحاكم بشكل يومي في مئات القضايا (حوالي 100 ألف سنويا) التي يتابع فيها تلاميذ، تتراوح التهم الموجهة إليهم بين الغياب غير المبرر الذي يستدعي تغريم أولياء الأمور غرامات موجعة، وبين استعمال العنف أو التحرش.

والأمر هنا جدي فعليا، لأننا أمام محاكمات حقيقية في محاكم حقيقية وأمام قضاة حقيقيين ومدعين حقيقيين وشهود حقيقيين وعقوبات حقيقية، ومع ذلك لم نسمع عن تنديد بتدخل القضاء في الشؤون التربوية.

بطبيعة الحال، لا أدافع هنا عن فكرة اعتقال مراهقي نازلة الناظور ومصورها، لأن إجراء من هذا النوع قد يخرب ليس فقط حياة هؤلاء الذين رفع عنهم القلم أصلا، بل وحياة أسرهم ومحيطهم، لكن علينا أن نطرح الإشكال في شكله الشمولي، بعيدا عن النظرة التجزيئية القائمة على مقاربات بالتقسيط.

فقاضي التحقيق الذي أمر بوضع “المتهمين” تحت الرقابة القضائية، لم يخرج عن النص، ولا هو اجتهد في ظل وجود نص مخالف، بل طبق ما هو متوفر بين يديه، ولهذا فالمعركة الحقيقية ليست في المطالبة بالقفز على القوانين الجاري بها العمل، وإنما في تحيينها وتعديلها، بدل التنكيل الإعلامي بمطبقيها.

واستحضر هنا قصة مماثلة كانت قد حدثت قبل سنوات (2008 تحديدا) وأخذت أبعادا دولية بعد دخول نادي برشلونة على الخط، مباشرة إثر اعتقال تلميذ في ضواحي مراكش كتب على السبورة :”الله، الوطن، البارصا” فتوبع بتهمة ثقيلة (الإخلال بالاحترام الواجب للملك) وأدين بسنة ونصف سجنا.

ففي تلك الواقعة أيضا، لم يكن العيب في النصوص، بل في الأستاذ الذي بادر إلى إخبار مدير الثانوية بمجرد اكتشافه لهذه “الجريمة” التي تهدد “أمن الدولة”، الذي استدعى بدوره رجال الدرك الذين أحالوا الملف الحارق على القضاء الذي لم يكن في مقدوره “الاجتهاد” في هذه النازلة “الخطيرة”..

ولهذا، عوض أن يتحدى برلماني “شاب” مثلا وزير العدل والحريات باعتقاله لأنه هو أيضا قبل زميلاته التلميذات (داخل أسوار المدرسة أو خارجها؟..لم يوضح) كان الأولى به أن يستغل صفته كمشرع ليتقدم باقتراح قانون يعتبر القبلات بين التلاميذ في المؤسسات التشريعية من “اللمم” المعفو عنه دينيا بشهادة الشيخ الزمزمي الذي لم يفوت الفرصة ليضيف هذه النازلة إلى نوازله السابقة.

كما كان حريا بالفعاليات الجمعوية المتخصصة في إقحام المنظمات الدولية في الصغير قبل الكبيرة، أن تقوم بعمل ميداني في محيط المؤسسات التعليمة، لأن الممارسات المسجلة هناك لم تعد تقتصر على “قبلات مسروقة” بين مراهقين ومراهقات يعبرون بأفعال جنسية عن انتقالهم من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الشباب، بل نحن أمام نشاط منظم له اسم متداول إعلاميا هو :”دعارة التلميذات” إلى درجة أن كثيرا من “الباطرونات” يرابطن عند أبواب المدارس للتبضع من اللحم الطري قصد إرضاء رغبات زبنائهن المحليين والأجانب المنحرفين، دون أن ننسى أن هذه المواقع أصبحت مكانا معتادا للباحثين عن اللذة العابرة، التي ينضاف إليها تجار المخدرات وزبناؤهم من التلاميذ..وهي السلوكات التي دفعت وزارتي التربية الوطنية والداخلية إلى توقيع اتفاقيات حول تخصيص دوريات لتمشيط محيط المؤسسات..لم تغير من الواقع شيئا لحد الساعة..

وهل شاهد أحد هذه الفعاليات التي تخطب اليوم على شبكة الأنترنيت وهي تقوم على الأقل بمساعدة التلاميذ على عبور الشوارع المحاذية لمدارسهم في ساعات الخروج التي عادة ما تعرف فوضى تترتب عنها حوادث سير قاتلة؟

المسألة إذن أكبر من مجرد تفعيل مقتضيات المسطرة الجنائية بطريقة تميز بين “شكل” النص و”روحه”، لأننا أمام مفترق طرق لابد من تحديد وجهة سيرنا فيه بدقة، حتى لا ندور باستمرار في نفس الدائرة المغلقة.

فالمغرب لا يمكن أن يظل بلدا مشتتا بين أكثر من اتجاه، أو كدولة “لا شرقية ولا غربية” تضاهي في “انفتاحها” أكثر الدول انفتاحا، وفي نفس الوقت تنافس بتزمتها أشد الدول انغلاقا.

إن تحويل واقعة الناظور -التي بين أيدينا- إلى مجرد حلقة جديدة في مسلسل العبث -مباشرة بعد حلقة ترقية الحمير إلى مناضلين- وتبادل القصف بشأنها، والاصطفاف على أساس المخالفة والمناكفة، لن يؤدي سوى إلى مزيد من ترهل الدولة وشيخوختها المبكرة، في الوقت الذي تحافظ فيه الدول الحقيقية على حيويتها وتجدد شبابها عبر الحسم التلقائي في كل ما من شأنه أن يهدد عنفوانها.

وكم استغرب لأولئك الذين اعتبروا نازلة “القبلة” شأنا تربويا صرفا، ينبغي علاجه بين أسوار المدرسة، وليس في المحكمة، ولا أدري إلى أي عصر ينتمي هؤلاء، ولا في أي “فلك يسبحون”؟ هل انتهى الأمر اليوم عبر متابعة “الأضناء” في حالة سراح؟ وهل استعادت المدرسة سلطتها الروحية والمعنوية بشكل يجعلها تحل مشاكل روادها خلف أسوارها وبعيدا عن فضول الشرطة القضائية، واعتمادا على التشريع المدرسي وليس التشريع الجنائي؟

الخطر الحقيقي في اعتقادي يكمن في القفز على أصل المشكل، وهو أن نقط الارتكاز ضاعت في المجتمع، فلم يعد هناك شيء ثابت متفق عليه، يمثل الأرضية التي يحيل عليها المثل الشعبي “اللي اتلف يشد الأرض”، ولهذا لا أحد حاول تحليل هذا السلوك “المنحرف” وآثاره المباشرة حتى على أبطاله أنفسهم .. لأن الكل انشغل بالتسييس والتدويل وتصفية الحسابات..

فمن يستطيع اليوم مثلا أن يتنبأ تحديدا بمستقبل التلميذة بطلة هذه النازلة؟ هل ستستطيع العودة إلى قسمها ومدرستها وكأن شيئا لم يكن؟ ألن تتعرض للتحرش والمضايقة في حلها وترحالها؟ وكيف ستتعامل مع نظرات زملائها ومدرسيها وجيرانها والشارع بشكل عام؟ (أركز على الفتاة لأن المجتمع يحملها وحدها تبعات الانزلاقات الأخلاقية)… وهذا نموذج فقط للأسئلة التي تم تغييبها تماما..

الأمر إذن أكبر من مجرد موقعة كلامية يتبادل فيها عاطلون ومعطلون ولاهثون وراء الأضواء، القصف الكلامي، ثم يعود الجميع إلى قواعدهم سالمين في انتظار جولة أخرى .. وأكبر من لعب مراهقين لا يحملون هم الغد ومفاجآته .. إنها مسألة خيارات ترهن حاضر المغرب ومستقبله..فمن الصعب أن تتعايش عقلية غربية مع عباءة شرقية..

https://www.facebook.com/my.bahtat

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • abdelali
    الأربعاء 9 أكتوبر 2013 - 16:48

    للقبلة فوائد جمة على القلب وعلى الدورة الدموية وصحية جدا جدا.
    عكس ما جاء في هسبريس الاسبوع الماضي.

    الإخواني المغربي احمد الشقيري الديني قال إن للقبلة مفاسد صحية معتمدا في تجنيه على العلم على رأي طبيب إخواني مصري الدي زعم بأن القبلة تمرر الإنفلوزيا متجاهلا أن سبب نقلها هو التنفس… قال هدا حتى يمكن مطابقة بالقوة الدين بالعلم….
    لقد كان للكنيسة علماؤها الدين كانوا يحاولون إيجاد أعدار طبية للمحرمات الدينية. ومن بين خرافاتهم العلمية " ضرورة التقليل من الممارسة الجنسية لاعتقادهم بأن في قذف السائل المنوي ضياع من قوة الرجل حتى كانوا يرددون " لكي تعيش طويلا عليك بتجنب ما أمكن ممارسة الجنس".

  • تحليل رائع
    الخميس 10 أكتوبر 2013 - 02:24

    أحسنت أحسن الله إليك، فعﻻ ﻻ يبعد أن تجد بعض أوﻻئك الناطقين في هذه القضية يرتادون أمام المدارس لمصاحبة التلميذات في سياراتهم والتمتع بأجسادهم الطرية مع إغرائهم بالمال، لذلك يحاولون أن يطبعوا المغاربة مع الفساد، ولهؤﻻء الذين يهونون الأمر نقول أعطنا بناتك نستمتع بهن إن كان الأمر عندك عااادي….

صوت وصورة
مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"
السبت 26 شتنبر 2026 - 22:40 2

مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"

صوت وصورة
ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي
السبت 26 شتنبر 2026 - 21:30 6

ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي

صوت وصورة
ساكنة سلا تتحسر
السبت 26 شتنبر 2026 - 17:49 10

ساكنة سلا تتحسر

صوت وصورة
مرافق مهملة بالدار البيضاء
السبت 26 شتنبر 2026 - 13:57 4

مرافق مهملة بالدار البيضاء

صوت وصورة
الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:49 9

الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي

صوت وصورة
بنكيران: البيجيدي في المعارضة
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:02 18

بنكيران: البيجيدي في المعارضة